عبد الله بن محمد المالكي

419

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

وحدث بعض المشايخ ، قال : كنت عند بشير المنستيري فأتى شاب من أهل القيروان فصلّى بهم قيام رمضان ، فلما كانت ليلة الفطر تنهد الشاب ، فقال له بشير : « مالك ؟ » فقال : « فكرت في والدي في هذه الليلة » فقال له بشير : « يا عدو اللّه ، تركت أعمال البرّ معك في بيتك سرا ، وجئت تطلب البرّ علانية ؟ واللّه لو علمت ما صلّيت وراءك « 5 » » . قال ابن الحداد : وكانت له قريحة جيدة في العلم ، وكان يحسنه ، إلا أن العبادة غلبت [ عليه ] « 6 » . وكان ملوك إفريقية يأتونه إلى بيته بالمنستير فلا يخرج [ إليهم ] « 6 » . وكان قد حج ودخل الشام وطرسوس ولقي جماعة من الصالحين وانتفع بهم . وقال ، رحمه اللّه تعالى : « كنت بطرسوس ، وكان بها رجل من أهل خراسان ، وكان من المبرزين في الفضل ، إنما يلبس جبة صوف مرقعة أكثرها جلود ، / فأتاه كتاب قاضي خراسان بوفاة والده وأنه خلف نعمة كثيرة وأموالا ورقيقا ، ويسأله في كتابه أن يقدم ، فلم يفعل ؛ وجاءه كتاب ثان « 7 » بمثل ذلك ، فلم يرد جوابا « 8 » ، ثم جاءه كتاب ثالث يحرج « 9 » عليه في المقام » ، قال : « فمضى وتصدق بجميع ما ترك والده ورجع على حالته التي خرج بها » .

--> ( 5 ) وردت هنا في الأصل فقرة نصّها : « وقال أبو بكر بن خلف التجيبي « كان بشير المنستيري هذا من المتعبدين الزهاد المنقطعين إلى اللّه عزّ وجلّ » ونظرا لتقدمها في صدر الترجمة رأينا حذفها هنا والاكتفاء بها هناك . ( 6 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 7 ) في الأصل : ثاني . ( 8 ) في الأصل : جواب . ( 9 ) كذا في الأصل : ثانيها حاء مهملة . وقرأها ناشر الطبعة السابقة بالخاء المعجمة . والصواب ما أثبتنا . وفي أساس البلاغة ( حرج ) : حلف فلان بالمحرجات ، وهي الايمان التي تضيّق مجال الحالف . ونلاحظ أن كلمة « المقام » غير واضحة في الأصل . وربما صحّت قراءتها : « القيام » . فيكون المراد القيام إلى القاضي والنهوض إليه .