عبد الله بن محمد المالكي
384
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
وحدث موسى ، قال : « لما خرجت أريد جريرا « 74 » « بالري » من بلد خراسان ، صحبني شاب عليه جبة صوف وكساء صوف راجلا « 75 » ، فقلت له : « إلى أين تريد ؟ » قال : « إلى جرير » فقلت له : « فالطريق واحدة » . فوصلنا إليه نصف النهار ، فجلسنا على بابه في ظل حائط ، حتى خرج متوكئا على عصا يريد الأذان في المسجد والصلاة فيه ، فسلمنا عليه فقال : « أين بلدكم ؟ » فقلت : « إفريقية » فقال : « إفريقية ! » يستعظم ذلك ، وقال : « ثم إلى أين ؟ » فقلت له : « ثم إليك ، يرحمك اللّه » قال : فرق لنا ثم قال : « ادخلا المسجد لتصليا « 76 » » ثم أذن وصلينا معه ، ثم أخرج كتابه فقرأ لنا ، وأنا أمسك كتابي معه والشاب جالس وليس معه كتاب . فانصرفنا إلى الموضع الذي نزلنا فيه والشاب معي ، فلما جلسنا نتذاكر ما حدثنا به الشيخ قال لي الشاب : حدث « 77 » فلان عن فلان ، فقلت له : « عن فلان عن فلان » فقال : « ليس كذا قرأ الشيخ « 78 » ، اقرأ : « فلان عن فلان » فقمت إلى الكتاب فأصبته كما قال . فلم يزل الشاب معي حتى فرغنا من كتب جرير بن عبد الحميد ، ثم انصرفنا ، فضاق صدري ، فكاشفت الفتى فقلت له : « أين كتبك ؟ » فتبسم ثم قال لي : « يا أبا جعفر ، أخرج إليّ أي كتاب شئت » فأردت الاستقصاء عليه ، فأخرجت إليه كتابا فقال : « أي كتاب هو ؟ » فنسبته له ، فقال لي : « اسمع » ، فاندفع يقرؤه ظاهرا ، فرأيت منه قدرة اللّه ، فقلت له : « حسبك ، يكفيك » .
--> ( 74 ) يعني جرير بن عبد الحميد الضبي وقد تقدمت الإشارة إلى رواية موسى عنه . ( 75 ) في الأصل : راجل . ( 76 ) في الأصل : ادخلا المسجد تصليان . والتصويب للناشر الأول . ( 77 ) في الأصل : حديث . ( 78 ) وردت هنا في النصّ كلمة « أيضا » ولعلها مقحمة .