عبد الله بن محمد المالكي
368
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
وأن اللّه تعالى يرى يوم القيامة ؟ وأنه ( عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) ؟ ولا تخرج على الأئمة بالسيف وإن جاروا ؟ » قال : « إي واللّه الذي لا إله إلا هو » . فضرب سحنون بيديه على ضبعيه وقال له : « مت إذا شئت ، مت إذا شئت » ، ثم خرج عنه » . حدث فرات بن محمد العبدي ، قال « 185 » : حدثت عن سحنون أنه قال لابنه محمد : « يا بني ، سلم على الناس ، فإن السلام عليهم يزرع المودة في قلوبهم ، وسلم على عدوك ، فإن رأس الإيمان باللّه مداراة الناس » . وكان سحنون يقول « 186 » : « ليس للأمور « 187 » بصاحب من لم ينظر لها في العواقب » . وحدث أبو محمد بن معاوية ، قال « 188 » : حضرت سحنونا ، وكان ينهى الطلبة عن الجلوس في موضع الطريق لخروج أهل الدار إلى حوائجهم ، فجلست يوما في الطريق لضيق الموضع ، فجاءه حمل طعام من البادية ، فنظر إليّ وقال لي : « قم من الطريق » . فلم أقدر أن أقوم ، فقال : « قد جاءنا رزق ، فمن أين يدخل إلينا إذا قعدتم لنا في الطريق ؟ » . ثم تخطاني وجاز ، ثم نظر إلينا ثم قال : « قد نهيتكم غير مرة أن تقعدوا في الطريق » ، وضاق علينا وقال : « إنما غايتكم أن أحتاج إلى هؤلاء ! » - وأومأ إلى السلطان - « فإذا أخذنا منهم فما تصنعون بكتبكم هذه ؟ ارموها في ذلك الماء » وأشار إلى ماء بين يديه . فلما كان من الغد خرج علينا وعلى يده الكتب للسماع ، فلما قعد في موضعه « 189 » أخذ الكتاب ليقرأ ، فلما قرأ « بسم اللّه الرحمن الرحيم » وضع الكتاب من يده ثم تبسم قليلا ثم قال : « كبرنا وساءت أخلاقنا ! ويعلم اللّه ما أصيح عليكم إلا لأؤدبكم ، وما أريد بكم - يعلم اللّه - مكروها ، ألا إنّا ابتلينا عند الكبر و [ نحن ] « 190 » أحوج ما كنا إلى أنفسنا » - كأنه يريد أن يعتذر بما ابتلى به من أمر القضاء - « وما أريد إلا لترعووا « 191 » وتفقهوا وتعملوا بما سمعتم » .
--> ( 185 ) النصّ في المدارك 4 : 74 وأسنده عياض عن ابن اللباد . ( 186 ) القول في المدارك 4 : 80 . ( 187 ) في الأصل : الأمور . والمثبت من المدارك . ( 188 ) الخبر انفرد به المالكي . ولم نعثر على اسم هذا الراوي في تلامذة سحنون . ( 189 ) في الأصل : موضع . ( 190 ) زيادة للسياق . ( 191 ) من قولهم : ارعوى عن الجهل : نزع عنه وحسن رجوعه . ( القاموس : رعو ) .