عبد الله بن محمد المالكي

349

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

« لما حججنا كنت أزامل ابن وهب ، وكنت في الشق الأيمن ، وكان أشهب يزامله يتيمه « 24 » وكان ابن القاسم يزامله ابنه موسى أبو هارون » . قال سحنون : « فكنت إذا نزلت ذهبت إلى ابن القاسم أسائله من « 25 » الكتب وأقرأ عليه إلى قرب وقت الرحيل » . قال : « فقال لي ابن وهب وأشهب : « لو كلّمت صاحبك ليلة واحدة يفطر عندنا ! » فكلمته فقال : « إن ذلك يثقل عليّ » فقلت له : فبم يعلم القوم مكاني منك ؟ » فقال لي : « فإذ « 26 » عزمت على ذلك فأنا أفعل لك ذلك إن شاء اللّه إذا نزلنا للتعريس » . فأتيت إليهم فأعلمتهم ، فلما كان وقت التعريس قام وقمت معه إلى القوم ، فأصبت أشهب وقد فرش أنطاعه وأتى من الأطعمة بأمر عظيم ، وصنع ابن وهب دون ذلك . فلما أتى عبد الرحمن سلّم وقعد ثم أدار عينيه في الطعام فإذا بسكرجة « 27 » ؛ [ فيها دقّة ] « 28 » فأخذها بيده وحرك الأبزار حتى صارت ناحية ولعق من الملح ثلاث لعقات ، وهو يعلم أن أصل ملح مصر طيب ، ثم قام وترك ذلك وقال : « بارك اللّه لكم ! » . قال سحنون : « فاستحييت أن أقوم » ، قال : « فتكلم أشهب وعظم عليه ما فعل عبد الرحمن ، فقال ابن وهب : « دعه ، دعه ! » . قال سحنون : وكنا نمشي بالنهار ، ونلقي المسائل ونحن مشاة ، فإذا كان الليل ونزلت الرفقة ، قام كل واحد إلى حزبه من الصلاة فيقول ابن وهب لأصحابه : « أما ترون إلى هذا المغربي يلقي المسائل بالنهار وهو لا يدرس بالليل ؟ » فيقول له ابن القاسم : « هو نور يجعله اللّه [ في القلوب ] « 29 » » . / قال : « ونزلنا بمسجد ببعض مدائن الحجاز - نسيت اسمها - قال : فنمنا بها ونمت عند رجلي ابن القاسم ، فانتبه مذعورا فقال لي : يا أبا سعيد ، رأيت الساعة في المنام كأن رجلا دخل علينا من باب المسجد ومعه طبق مغطى بمنديل وفيه رأس

--> ( 24 ) يعني من يتولى تربيته . كما قيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : يتيم أبي طالب . النهاية في غريب الحديث 5 : 293 . ( 25 ) في ( م ) : عن . ( 26 ) في ( م ) والمطبوعة : إذا . ( 27 ) هي الصحفة ، فارسي معرب . وضبطت في معجم الالفاظ الفارسية المعربة ص 92 بسكون الكاف وضمها ثم راء مضمومة أو مكسورة مشدّدة . ( 28 ) ما بين المعقفين سقط من المطبوعة لأن السوس ذهبت بأكثر حروفه وأكملناه من ( م ) . ( 29 ) ما بين المعقفين جاء غير واضح في الأصل . واستفدناه من ( م ) والمدارك .