عبد الله بن محمد المالكي
329
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
فلم يزل يقول : « زيدوه » وعبد الخالق يكلّمه بالكلام الأول حتى بلغ معه خمسمائة دينار « 41 » ، فقال له إبراهيم بن الأغلب : « أفسدكم البربري « 42 » - يعني البهلول - واللّه لو أدركته لجعلته يرقص خلفي » . قال عبد الخالق : « فأحسست شعري قد خرج من عمامتي . ثم أقبلت عليه فقلت له : واللّه لو أدركته ، لكنت أهون عليه من هذا الطين الذي يعجن بين يديك « 43 » ، ثم انصرفت » . قال عبد اللّه « 44 » : ورأيت له هذه الموعظة « 45 » كتب بها إلى أخ من إخوانه فاستحسنتها وهي : « أما بعد ، فإني أوصيك ونفسي بتقوى اللّه عزّ وجل وذكر الموت ، فإنه لم ينج من نجا من الأولين والآخرين إلا بالتقوى ، فأعدها جنّة لك في الدنيا والآخرة ، وآثرها على هواك ، ولا تقصر في شيء منها ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العليّ العظيم . أسأل اللّه يا أخي أن يجعلنا وإياك من المتقين الصادقين الذين لا يلتمسون إلا رضاه وثوابه ؛ وطوبى للصادقين في هذا الزمان ، ما أعظم ثوابهم وأشد حالهم وأطول غمهم ! لما يعلمون ويرون من أنفسهم خلاف الحق وما تدعوهم إليه أنفسهم من حب الدنيا وحب رضى الناس عنهم . فهم ماضون أنفسهم على ذلك يريدون أن يخلصوا « 46 » أعمالهم ولا يريدون رضى أحد من الناس . فمن هنالك حزن القوم واغتموا وهانت عليهم الدنيا وطلبوا الإخلاص رجاء أن يخلصوا من أهوال يوم القيامة ومن غم الموت وهوله ، فشغلهم ذلك عن الدنيا وكسر قلوبهم ، فأنفسهم منه في عناء ، والناس في راحة . أسأل اللّه العظيم أن يجعل راحتنا بعد
--> ( 41 ) تكررت هنا عبارة : « وعبد الخالق يكلمه بالكلام الأول حتى بلغ خمسمائة دينار » وقد رأينا الاستغناء عنها اتباعا لنصّ الطبقات والمعالم . ( 42 ) في الأصل : التبريزي . والمثبت من الطبقات والمعالم . ( 43 ) تضيف رواية الطبقات هنا : « وكان بين يدي إبراهيم طين يعجن لمرمّة » . ( 44 ) هو المؤلف : عبد اللّه بن محمد المالكي . ( 45 ) انفرد بها الرياض . وكتب الناسخ مقابل هذا السطر بالهامش : موعظة ثم كتب تحتها : « ومن هنا زيادة في بعض النسخ . مما يفهم منه ان هذا النصّ لم يرد في جميع نسخ الرياض . ( 46 ) في الأصل : يخلصون .