عبد الله بن محمد المالكي
311
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
ثم سبقه إلى رباح ، فقال : « هو ذا قد دخل » ، فحول وجهه نحو الحائط قبل دخوله ، لئلا يخاطبه . فلما أن دخل سعيد قال له : « كيف تجدك يا أبا يزيد ؟ كيف أنت ؟ » ونحو ذلك من الكلام ، فما رد عليه رباح حرفا ، ولا أجابه بشيء . فلما أن رأى ذلك سعيد قال : « أحسب أن أبا يزيد نائم ! » . فقال له صاحب الدار : « أحسب ذلك ، أصلحك اللّه » ؛ فحول رباح وجهه إلى صاحب الدار وقال له : « ويحك ! تكذب وأنت تخاطبني الساعة وتقول إني نائم ؟ أما إني لو علمت أنك تكذب ما أويت لك إلى سقف ! » . قال : فخجل سعيد بن لبيد وخرج من عنده واجدا لما نزل به . فلما صار إلى رأس الدرب لقي « يزيد بن حاتم » الأمير وقد أتى يعود رباحا ، فقال له سعيد : « انصرف ، أصلح اللّه الأمير ! » فقال له : « لم ؟ » فأخبره بما نزل به ، وقال له : « إنما نزل بي هذا من رباح لكوني صحبتك » ، فتوقف يزيد ساعة مفكرا ثم قال له : « قد أتيت ، فما كنت لأنصرف حتى أشهد عيادته » ، فقال له : « وكيف تعمل ؟ » قال : « سوف ألطف له وأحتال » . قال : فمضى يزيد حتى أتى الدار التي فيها رباح ، فخرج إليه صاحب الدار فلما رآه دخل إلى رباح فقال : « هذا الأمير يزيد بن حاتم قد أتى عائدا وقد أذنت له بالدخول ، ولم أقدر على غير ذلك » . فأعاد رباح وجهه إلى الحائط كما فعل مع سعيد ، والقوم جلوس بحالهم عند رباح لم يبرحوا . فلما دخل يزيد سلم عليهم ثم قال لهم : « كيف أمسى أبو يزيد العشية ؟ كيف رأيتموه ؟ منّ اللّه عليه بالعافية وصرف عنه المحذور » ، وكان أولئك العوّاد يجيبونه في كلامه كله في مسألته وفي دعائه . فخرج عنه الأمير يزيد بن حاتم . ومات رباح من تلك العلة ، فبلغ يزيد بن حاتم وفاته ، فأتى لحضور جنازته ، فلما صلّى الظهر أقبل الناس والأمير راكب « 75 » ومعه أصحابه [ في ] « 76 » خلق عظيم ، فوقف ينتظر الناس ليخرجوا به ، فازدحم الناس على نعشه من صلاة الظهر إلى صلاة العصر ، فلما رأى ذلك يزيد قال : « معاشر الناس ، إن كنتم مزدحمين فازدحموا على عمله ولا تزدحموا على جسمه » . وأمر الشّرط بحمل النعش ، فأخذه الشّرط فحملوه وأزالوا الناس عنه ، وحملوه إلى « باب سلم » ، فصلى عليه ودفن رحمه اللّه تعالى .
--> ( 75 ) في الأصل : راكبا . ( 76 ) زيادة للسياق .