عبد الله بن محمد المالكي
309
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
وهم لا يشعرون . فاتخذ أخا مصافيا في أموره ومداخله ومخارجه ، فإذا وجدت ما تحب فأوجب له ما يجب من الأخوة في اللّه عزّ وجل وإلا انقبض في رفق « 58 » ونصيحة . فإن كثيرا من أهل زمانك يحبون رضى الأشرار ورضى الأخيار [ فيا . . . . . . . ] « 59 » وحسن الثناء على الأشرار ، حتى يخيل إلى من يسمعه أن القطع إليه برأيه وعمله وهواه . فأما الأشرار فيثنى عليهم بالشرف والفضل لغنم « 60 » ما في أيديهم مما لو كانت الكلاب تحاسب ثم عرفته لم تطعمه ، ولم تدن منه ، إلا أن يشاء اللّه ربنا ، وسع ربنا كل شيء علما . وانظر إلى من يسكن إليه عقلك وتعرف البركة في مجالسته ، وإن قل أولئك - وحق لهم القلة لكرامتهم على اللّه عزّ وجل أعجل خروجهم من الدنيا إلى [ دار ] « 61 » كرامتهم - لأنه لا يبقى في آخر الزمان إلا الذين هم الأشرار كما قال عليه السلام « 62 » : « حثالة كحثالة التمر » ، فارض بالوحشة واسأل اللّه عزّ وجل أن يسلمك يوما « 63 » بيوم حتى يلحقك بمن لا غنى بك عن صحبته ومرافقته ، وما التوفيق إلا باللّه ، عليه توكلت وإليه أنيب . فقد أدركت زمانا أميتت فيه السنة وأظهرت فيه البدعة ، وعز فيه أشرار كثير « 64 » من هذه الأمة ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون مما تلقى من أهل زمانك . كأن الذي خوّفوه لا يقع بهم ، أو كأن الذي حل بغيرهم لا يرونه . وقد قال اللّه عزّ وجل : ( فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) « 65 » ، وعهدت بلادنا بالحصار والقتل والفساد ، وقال اللّه تعالى : ( أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ
--> ( 58 ) في الأصل : رقيق . ( 59 ) مقدار كلمتين ممحوتين . ( 60 ) في الأصل : لقدم . وأصلحها ناشر الطبعة السابقة : تعرضا لغنم . ( 61 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 62 ) المشهور في هذا السياق حديث : « لا تقوم الساعة إلا على حثالة من الناس » . وهي الرديء من كل شيء . ينظر : الفائق في غريب الحديث 1 : 260 ، النهاية 1 : 339 . ( 63 ) في الأصل : يوم . ( 64 ) كذا في الأصل . ( 65 ) سورة الأنعام آية 43 .