عبد الله بن محمد المالكي
304
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
الأول ونحن راغبون داعون للّه عزّ وجل ، وعيالنا وصبياننا كذلك ، وأنت ترى غفلتنا اليوم وطول سهونا وقلّة تضرعنا ، فأي الحالتين خير ؟ » قال : فقلت في نفسي : « أنت في شيء والناس في غيره » . وذكر « 29 » أن رجلا من الأندلسيين أتى إلى رباح فقال له : « يا أبا يزيد ، إن سعيد / بن لبيد « 30 » أخذ مني جارية لي » . فأخذ رباح عصاه وانطلق معه إلى دار سعيد بن لبيد ، فوجد جماعة من الناس قد حفوا ببابه ينتظرونه ، فألقى عصاه بينهم وجلس حتى خرج سعيد راكبا من داره . فلما رآه من كان على بابه من تلك الجماعة ، نهضوا على أقدامهم ، وثبت رباح جالسا ، فقصد إليه سعيد ، ورباح جالس في مكانه ، فأقبل سعيد يقول لرباح في الذين قاموا له : « [ يا أبا يزيد ] « 31 » ، هؤلاء كلهم أبناء دنيا » . فقال [ له ] « 31 » رباح : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 32 » : من أحب أن يتمثل له الرجال قياما على أقدامهم ، فليتبوأ مقعده من النار » . فقال له سعيد : « يا أبا يزيد ، هل من حاجة ؟ » فقال له رباح : « أردد على هذا الأندلسي جاريته » . فصاح سعيد : « جارية الأندلسي ! » فأخرجت ، فدفعها إلى مولاها . وكان رحمه اللّه مستجاب الدعوة : قال سعيد بن الحداد « 33 » : كان لرباح بن يزيد صديق كانت له بنت مقعدة سأله أن يزوجها له ففعل ، فلما دخل عليها أخذ بيدها ، وقال لها : « قومي بإذن اللّه » فقامت صحيحة تمشي . فمال إلى موضع في البيت فصلى فيه حتى أصبح ، وخرج وخلى سبيلها وإنما كان به إلى النكاح الدعوة لها « 34 » . ومما يقوي هذه الحكاية ما ذكر أن عبد اللّه بن المبارك مر برجل قد أقعد من ركبتيه ، ثم مر به مرة أخرى وقد أطلق وهو يمشي صحيحا فقال له ابن المبارك : « أعرفك وقد أقعدت ، وأراك صحيحا تمشي ، فكيف كان أمرك ؟ » فقال له الذي
--> ( 29 ) الخبر في الطبقات ص 45 - 46 والمعالم 1 : 258 - 259 . ( 30 ) في الأصل : بن حميد . وسيذكره قريبا باسم : بن أسد . وينظر تعليقنا على الترجمة رقم 78 . ( 31 ) زيادة من الطبقات . ( 32 ) تقدّم تخريجنا لهذا الحديث . ( 33 ) الخبر في المعالم 1 : 256 . ( 34 ) كذا جاءت هذه العبارة في الأصل . وهي في المعالم بصيغة أوضح .