عبد الله بن محمد المالكي

302

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

قال أبو عثمان بن الحداد : « إنه ليغلب على ظني أن هذه الرياضات « 11 » إنما كانت بعد أن « 12 » بلغ الحلم ، لأنه إنما مات ابن ثمان وثلاثين سنة . وكان قد حمل نفسه على الاجتهاد حتى بلغني أنه قال : لقد كنت أحب الصحة فلما ضعفت عن العمل أحببت المرض » . أخبر عبد الخالق المتعبد أن رباح بن يزيد ذكر « 13 » ما أنعم اللّه عزّ وجل عليه في دينه يوما من الأيام ، وكان في ذلك الوقت البهلول ، فقال رباح للبهلول : « يا أبا عمرو : إن لي لاثنتي عشرة سنة - أحمد اللّه تعالى إليك فيها كثيرا وأشكره « 14 » - ما بغيت « 15 » فيها شيئا سوى اللّه عزّ وجل ، وإن لي لاثنتي عشرة سنة قد أعطيت فيها من حلاوة القرآن ما لو شئت أن أتهجد بالآية الواحدة ليالي لفعلت ، وإن لي لاثنتي عشرة سنة أخاف فيها الغنى كما يخاف الغني الفقر » . فكان البهلول يقول : « أما الخلتان اللتان « 16 » ذكرهما أولا : أنه لا يخشى شيئا سوى اللّه عزّ وجل ، وما ذكر من أنه أعطى من حلاوة القرآن ما ذكر ، فقد كنت شهدت ذلك منه غير ما مرة . وأما ما ذكره من خوفه الغنى فكان في نفسي منها شيء « 17 » ، لأني قلت : الغنى يخاف ، هذه درجة عظيمة ، أعظم « 18 » . ثم إنه بلغني أنه سأله رجل من أملياء أهل القيروان أن يزوجه ابنته ، وكان لها مال عظيم . فامتنع من ذلك وقال لي : « إنما أردت وأصحابك أن تأتوني فتنظروا إلى فضول الدنيا عندي وفي بيتي ، وملك ذلك لغيري ، ولا تنبسط يدي فيه ، فأضعه في المواضع التي هي أفضل . قم فلا حاجة لي في شيء من ذلك كله » . قال : فقلت : « صدق ! من خاف شيئا تجنبه ، وهو صادق فيما يقول » .

--> ( 11 ) في ( م ) والمصادر : الرياضة . ( 12 ) في ( م ) والطبقات : من لدن . ( 13 ) في الأصل : ذكر يوما . ولعلّ كلمة « يوما » مقحمة هنا وستأتي في موضعها قريبا . ( 14 ) ورد هنا في الأصل حرف جر « على » والسياق مستغن عنه . ( 15 ) كذا في الأصل . ويفسّرها ما يأتي بعد قليل : « أنه لا يخشى شيئا سوى اللّه » . ( 16 ) في الأصل : أما الخلتين اللّتين . ( 17 ) في الأصل والمطبوعة : شيئا . ( 18 ) كذا في الأصل . وعلّق ناشر الطبعة السابقة « ربما كانت صحة العبارة : هذه درجة عظيمة » ، أعظم [ من أن تصدق ] أو : أعظم [ بها ] .