عبد الله بن محمد المالكي
263
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
مسائل سأله عنها ، فرد عليه جوابها ، ثم أحله من نفسه بمحل عظيم . ثم قال له سحنون : إني أريد أن أسمع منك هذه « 54 » « المدونة » « 55 » ، قال : فاستخار اللّه عزّ وجلّ في ذلك عبد الرحمن ، ثم قال : افعل . فبدأ بالسماع عليه حتى استكملها ، وأسقط منها ابن القاسم : « وأظن مالكا قال في هذه المسألة كذا ، وكذا ، وأخال مالكا قال كذا وكذا » وقال لابن القاسم : « ما وقفت عليه من قول مالك كتبته وما لم تقف عليه تركته وتكلمت فيه بما يظهر لك من ذلك ، واللّه يعينك » . فأجابه عبد الرحمن إلى ذلك وتمم له ما أراد . فلما فرغ كتب له عبد الرحمن كتابا إلى « أسد » يأمره فيه أن يرد « مدونته » على « مدونة سحنون » فلما قدم سحنون بالكتاب دفعه إلى أسد ، فلما قرأه أراد أن يفعل ما أمره به من ذلك ، فشاور في ذلك جماعة من تلامذته فقالوا له : « لا تفعل ، فإنك تتضع عند الناس إن رددت كتبك على كتب سحنون ويسود بذلك عليك وترجع له تلميذا ، وأنت قد أدركت مالكا وأخذت عنه ، ثم دخلت الكوفة وأخذت عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن ، فاترك هذا واحمل عن هؤلاء ، فقبل « 56 » منهم كلامهم وفعل « 57 » ما قالوا له ، ولم يقبل كتاب ابن القاسم في ذلك ، وتمسك بكتابه « الأسدية » ونشر مذاهب أهل العراق ، وتمسك سحنون « بمدونته » التي قدم بها ، ونشرها وسمعها عليه أهل المغرب ، وانتشر ذكرها في الآفاق . وعول الناس عليها وأعرضوا عن « الأسدية » وغلب عليها اسم سحنون . والمشهور عن أسد رحمه اللّه تعالى أنه كان يلتزم من أقوال أهل المدينة وأهل العراق ما وافق الحق عنده ، ويحق له ذلك لاستبحاره في العلوم وبحثه عنها وكثرة من لقي من العلماء والمحدثين . وكان أسد بعد وصول كتاب ابن القاسم إليه ، إذا ذكر عنده ابن القاسم ، مشرفا له ومعظما .
--> ( 54 ) في الأصل : هذ . والمثبت من ( م ) . ( 55 ) في المدارك : كتب أسد . ( 56 ) في الأصل : لا تقبل . والمثبت من ( م ) والمعالم . ( 57 ) في الأصل : وقالوا . والمثبت من ( م ) .