عبد الله بن محمد المالكي

218

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

رباح قسط « 27 » زيت . فقال له ابن غانم : أحمله لك يا أبا يزيد ؟ فقال له رباح : « شأنك به » ، وابن غانم إذ ذاك على القضاء ، فدفع القسط إليه . وجعل رباح يشق به مجامع الناس ، فسلك به على حوانيت البزازين والمواضع المشهورة ، حتى انتهى إلى داره ، قال له رباح : « أتدري لم فعلت هذا بك ؟ » قال : « لا » ، قال له : « بلغني أنك تجد في نفسك فأحببت أن أضع منك » ، فقال له ابن غانم : « جزاك اللّه عني خيرا » . وجرى له مع البهلول مثل ذلك . حدث بعض أهل العلم ، قال : خرج ابن غانم القاضي مع جماعة من أصحابه إلى منزله « 28 » ، وكان فيمن خرج معه سليمان بن زرعة ، وخرج بزوامله « 29 » ومطابخه ، فلما نزل نزع ثيابه واشتمل بردائه ، وفعل مثل ذلك بجميع من معه ، وكان في صيف ووقت حر ، ثم أمر بالطعام فقرب إليهم ، وفيه كنافة ، وكان ابن غانم يحبها . فلما وضعت بين أيديهم خرق رجل من القوم موضع الزبد من وسط القصعة ، فقال له سليمان : ( أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها ) « 30 » فقال له ابن غانم : « أتهزأ بكتاب اللّه تعالى ؟ / عليّ ألا كلمتك أبدا ! » ثم أمر بدابته فقربت إليه ، وانصرف راجعا إلى القيروان . عن أبي عثمان « 31 » ، قال : « حدّثت عنه أن ابنه دخل عليه وقد انصرف من المكتب ، فسأله عن سورته فقال له الصبي : حوّلني المعلم من سورة « الحمد » فقال له : « اقرأها » فقرأها ، فقال له : « تهجها » ، قال : فتهجاها ، فقال له : « ارفع ذلك المقعد » ، فرفعه فإذا تحته دنانير كثيرة ، قال : وأبو عثمان شاك في عددها ، إلا أنها أكثر من العشرة ودون العشرين ، قال : فحملها إلى معلمه فدفعها له ، فأنكر المعلم ذلك ، وأتى بها إلى ابن غانم وأخبره أن الصبي أتاه بها فقال له ابن غانم كالمعتذر : « لم يحضرني غيرها يا معلم ، أتدري ما علمته ؟ علمته ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) . لحرف واحد مما علمته خير من الدنيا وما فيها » .

--> ( 27 ) مكيال يسع نصف صاع . القاموس ( قسط ) . وينظر عن أصل الكلمة : المكاييل والأوزان الإسلامية ص 65 - 66 . ( 28 ) يقصد إلى ضيعته . ( 29 ) جمع زاملة . وهي التي يحمل عليها من الإبل وغيرها ( القاموس : زمل ) . ( 30 ) اقتباس من الآية 71 من سورة الكهف . ( 31 ) الخبر في تاريخ إفريقية ص 231 والمدارك 3 : 75 والمعالم 1 : 305 .