عبد الله بن محمد المالكي
171
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
ومثل هذه الحكاية ، قال « 22 » : أقبل غوث « 23 » بن سليمان القاضي ، وهو يريد المسجد ، فلما كان عند السراجين لقيته امرأة في محفتها ، كما قدمت من الريف ، فشكت مظلمة فنزل في حانوت من حوانيت السراجين ، كما هو ولم يبلغ المسجد ، وكتب لها بحاجتها ، ثم ركب دابته إلى المسجد فانصرفت المرأة وهي تقول : أصابت واللّه أمك حين سمتك « غوثا » ، فأنت واللّه غوث عند اسمك . ومن مناقبه : أنه « 24 » كان ، [ إذ ] كان قاضيا بالقيروان ، [ ساكنا في الدرب المعروف بالسنجاري ] ، وأنه كان إذا أراد أن يتوجه إلى الجامع ساق حماره بين يديه ، وإذا انصرف من الجامع ركبه منصرفا ، فربما لقيه في مسيره إلى الجامع بعض الناس وهو يخوض الطين إلى أنصاف ساقيه ، فيقال له : « لو ركبت الحمار ! » فيقول : « لا أفعل ، هكذا حال من يسير إلى ربه عزّ وجلّ ، يسير ذليلا متواضعا » . وربما وجد في الجامع وحده فيقال له : « أتقعد وحدك ؟ » فيقول : « إن الناس قد ذهبوا إلى جنازة » ، فيقال له : « لو أنك انصرفت إلى دارك ! » فيقول : « ومن لي بالملهوف المضطر إذا قصدني فلم يجدني ؟ » . قال أحمد « 25 » : وكان ربما تبين له الحكم بالليل ، فيأتي دار من ثبت الحق له ، فيقرع عليه بابه فيستخرجه ويأمره بأن يحضر له صالحي جيرانه ليشهدهم له ، فيقول له : « لو تركت هذا إلى الغد ! » فيقول القاضي : « فلو مت أنا في ليلتي هذه ، أما أكون أنا الذي أضعت عليك حقك ؟ » . ولم يزل « 26 » قاضيا حتى ثار عاصم بن جميل على حبيب [ بن عبد الرحمن ،
--> ( 22 ) القصّة في فتوح مصر ص 244 وقضاة مصر ص 374 . ( 23 ) في المعالم : عون . وهو غوث بن سليمان الحضرمي تردد في منصب قضاء مصر ثلاث مرات من 135 إلى حين وفاته سنة 168 . قضاة مصر ص 356 - 376 . ( 24 ) الخبر في الطبقات ص 250 ومنها أضفنا المحصور بين معقفين . وقد أسنده أبو العرب عن أبي عثمان سعيد بن محمد عن أحمد بن بهلول الزيات . ( 25 ) الخبر في الطبقات ص 250 وأحمد هو ابن بهلول الزيات الذي أسند عنه أبو العرب جلّ أخبار أبي كريب من طريق أبي عثمان سعيد بن محمد بن الحداد . ( 26 ) الخبر في المعالم 1 : 229 نقلا عن الرياض . وتراجع تفاصيل خروج عاصم بن جميل وحربه مع حبيب بن عبد الرّحمن واستيلائه على القيروان : تاريخ إفريقية والمغرب ص 140 - 141 .