هلال بن محسن الصابي

62

الوزراء

ودائع أقرّ بها مائة وخمسين ألف دينار . ثم أوقع به مكروها كان سببا لتقاعده عن أداء شئ بعده . ومضى هارون بن غريب - وكان موكّلا به - إلى المقتدر باللّه فقال له : إن ابن الفرات ممن لا يذعن بمال وينقاد إلى أداء بالقبيح ، وقد جنى الخاقانىّ جناية كبيرة بتسليمه إياه إلى ابن بعد شرّ حتى خرّق به « 1 » وعسفه . فتقدم المقتدر باللّه إلى الخاقاني بأن يجعل مطالبة ابن الفرات بحضرة هارون بن غريب ، وكان ابن بعد شرّ قد ضيّق على ابن الفرات في مطعمه ومشربه ، واقتصر به على خبز خشكار « 2 » وقثاء وماء الهواء . فحمل إليه الخاقاني طعاما واسعا جميلا وفاكهة وثلجا كثيرا ، واعتذر إليه مما جرى وحلف أنه لم يعلم به . ثم راسله « 3 » مع خاقان بن أحمد بن يحيى ومحمد بن سعيد حاجبه وقالا له : الرأي أن تقرّ بأموالك ولا تلاجّ « 4 » السلطان فتؤكد سوء رأيه فيك . فأجابه بما قال فيه : لست أيها الوزير حدثا تخدعنى ، ولا غرّا فتحتال علىّ ، وما أقول إنني ما أقدر على المال ، لكنني إن وثقت لنفسي بالسلامة والخلاص ، وأعطاني الخليفة أمانه بخطه ، وأشهد لي فيه الوزير والقضاة والغلمان . وسلّمنى إما إلى مؤنس المظفر ، وإن كان عدوى ، أو إلى شفيع اللؤلؤي ، قرّرت أمرى وأعطيت مالي . فأمّا أن أكون على ما أنا عليه ويراد منى المال فذلك ما لا أفعله . فأعاد الخاقاني « 5 » مراسلته : بأنني لو قدرت على التوثق لك توثّقت ، ومتى قلت في هذا المعنى قولا عادانى خواصّ الدولة ولم تنتفع أنت ، وقد ردّ أمير المؤمنين أمرك إلى هارون بن غريب ، وهو قريبه وثقته . ولعمري إنه عدو لك ، ولكن العدوّ ربما رقّ في مثل هذه الصورة ، والصواب أن تداريه وتلاطفه .

--> ( 1 ) خرق به : ارتكب معه أفعال الحمق . وعسفه : ظلمه . ( 2 ) الخبز الخشكار : هو غير النقى من ردته ( 3 ) تجارب الأمم 5 / 130 . ( 4 ) لاجه : تمادى معه في الخصومة ( 5 ) تجارب الأمم 5 / 130 .