هلال بن محسن الصابي
4
الوزراء
عمّن تقدمهم ، فخلّدوها بالتسطير والتصنيف لمن لحقهم ، وجدت ذلك من أفضل ما اقتفاه المقتفون ، واقتداه المقتدون ، إذ لولا هذه الطريقة لما عرفت فضائل الأخلاق فاستحسنت ، ورذائل الأفعال فاستهجنت ، وعوائد الخير فطلبت ، وعواقب الشرّ فاجتنبت ، وأىّ حديث أوقع ، وذكر أنفع ، من الإخبار بمجارى الأمور التي ما زال أرباب الهمم الشريفة يتطلعون إلى أمثالها ليجعلوها لقاحا لآدابهم ، وصفاء لأذهانهم ، وتذكرة لقلوبهم ، ورياضة لعقولهم ، فمعلوم أنه لا وجدان أقرب ، ولا إدراك أطيب ، من أن يأخذ الإنسان عفو « 1 » ما كدّت الفطن في استخراجه ، وبعثت القرائح لاستنباطه ، ويعلم - على سلامة من الخطار « 2 » ، وأمن من العثار - ما بان الخطأ والصواب من مجاريه ، واستتر القبيح والجميل في مطاويه ، فيهتدى بذاك مهتد ، ويقتدى مقتد ، ويستفيد مستفيد ، ويستزيد مستزيد . وكان أبو عبد اللّه محمد بن عبدوس الجهشيارى « 3 » جمع من أخبار الوزراء ما وقف فيه عند أبي أحمد العباس بن الحسن « 4 » ، وصنع أبو بكر محمد بن يحيى الصولي « 5 » في مثل ذلك كتابا رأيت منه ما كان إلى آخر أيام القاسم بن عبيد اللّه « 6 » ، لكنه ملأه بالحشو الزائد ، وكسفه بشعره البارد ، ولم أر أحدا بعدهما تمم ابتداءهما ولا همّ به ، فكان ذلك مما بخست فيه حظوظ من قطعا قبل عصره ، ووقفا قبل ذكره ، وما في أكثرهم إلّا من له الفضائل المذكورة . والمناقب المأثورة ، والآثار المشهودة
--> ( 1 ) العفو من معانيه : خيار الشئ وأطيبه ، والفضل . ( 2 ) الخطار : المخاطرة . ( 3 ) توفى سنة 331 راجع ترجمة له في مقدمة كتابه الوزراء والكتاب تحقيق السقا والأبياري . ( 4 ) قتل سنة 296 ه وزر للمكتفى والمقتدر . ( 5 ) راجع ترجمة له في ابن خلكان توفى سنة 335 . ( 6 ) توفى سنة 291 وزر للمعتضد ثم المكتفى ، له ترجمة في المنتظم 6 / 46 .