هلال بن محسن الصابي

243

الوزراء

تقوّض « 1 » المجلس ولم يبق عند أبي غيرى ، ثم قال له : قد كذب صاحب الخبر أيد اللّه الوزير ، فإن لي بسوق الطعام وعند الباعة أضعاف ما ذكره ، فإن كان قوله في غيرى مثل قوله فىّ فقد حابى وصانع وكذب ولم يصدق ، وأنا مستغن عن جميع ما أشرت إليه ، ومستظهر على الزمان بأكثر منه ، وللّه الحمد والمنّة . بلى ، لي إلى الوزير حاجة أسأله الإنعام علىّ بها . قال : ما هي ؟ قال : لا أقولها إلا بعد أن يشرط لي الإجابة إليها . قال قد شرطت وفعلت ، قال : عندي خمسمائة ألف دينار أنا في غناء عنها ، فليأذن لي الوزير في أن أبنى بها دارا لأبى الحسن ، وأبتاع له ما يحتاج إليه فيها وأجعل ما يبقى من المال في خزانته ، فإنه في دار الوزير ، وموضعه ومكانه يقتضيان إفراده بدار وأثاث وتجمّل وحال . فقال له أبى : بل يزيدك اللّه يا أبا الحسن ويضاعف مالك وحالك ويرينى لك في الشهر الواحد ضعف ذلك ويجريه على يدي في قضاء حقّك . فقال له نقض الوزير شرطي ، وأخلف وعدى ، وما أقنع منه إلا بالوفاء . فجعل يشكره ويدافعه وأبو الحسن مقيم على أمره وملحّ في سؤاله ، ثم قام على رجليه وأخذ يضرع إليه ويكرر القول عليه ، حتى قال له : قد قبلتها فلتكن لي قبلك إلى أن أعرّفك من بعد رأيي فيها . فعند ذلك أمسك وانصرف . وأقبل أبى يقول لي بعد خروجه : ما أعلم أن اللّه تعالى خلق مثل هذا الرجل في سعة نفسه ، ولا مثل أولئك في ضيق نفوسهم وجحدهم القليل مما نسب إليهم ، واعتراف هذا بأضعاف ما ذكر أنه له ، ثم بذله إياه هذا البذل من نيّة خالصة صادقة . ثم أخذ أبى ينشد ويردد : عزمت على إقامة ذي طلوح * لأمر ما يسوّد من يسود قال أبو الحسن : ودخل جدّى ونحن في ذلك . فحدثه بما جرى ، وقال له : قد

--> ( 1 ) تقوض المجلس : انفض .