هلال بن محسن الصابي
221
الوزراء
قال : وسبق الخبر إلى الكتّاب ، وقد كان الرجل صاحب البيدر برّهم بجملة حتى أثبتوه عندهم ، فما منهم إلّا من قطعه وأخرجه من شكّ « 1 » الورق ، ورمى به في المستراح ، أو أعطاه غلامه حتى أخرجه من الديوان وخبأه في خفّه أو تحت الأرض . ولما دار عليهم ابن يزيد أنكروا وجحدوا ما فيه من علاماتهم وخطوطهم فأخذ خطوطهم على ظهر الكتاب بما ذكروه ، وجاء به إلى أبى العباس . ونحن في تلك الحال إذ جاءت إليه رقعة من متنصّح يذكر فيها اسم الرجل الذي كتب الكتاب وموضع منزله ، فدعا أبو العباس العباس الفرغانىّ حاجبه ، وأمره بكبس الدار وطلب الرجل ، فإن وجده أحضره وإن لم يجده أنهب كلّ ما فيها . فمضى ومعه ثلاثون راجلا فكبس الدار ، ولم يظفر بالرجل ، فنهب الرّجّالة والأتباع ما كان فيها ، وعرف الرجل الخبر فاستتر مدة ، ثم خرج إلى الموصل هاربا ، ولم يزل مقيما بها إلى أن مات أبو العباس ، فحمدت اللّه وشكرته على ما وفّقنى له ، وخلّصنى منه ، وعلمت أنه لا شئ أنفع من الصّحّة ولا أجلّ من الأمانة . قال أبو القاسم : وحدثني أبى قال : كان أبو العباس بن الفرات يميل إلى أبى خازم القاضي ويكرمه ويقبل عليه إذا حضر عنده ، ويتحدث معه ، وكان أبو خازم أديبا حافظا ، فحضر يوما عند أبي العباس ، وجرى الحديث بينهما ، إلى أن أنشده أبو خازم : أأنت الذي أخبرت أنك ظاعن * غداة غد أو رائح لهجير وقلت يسير نصف شهر أغيبه * وما نصف يوم غيبة ببسير قال له أبو العباس : أتحفظ في هذا الشعر غير ما أنشدته ؟ قال : لا . قال : بلى
--> ( 1 ) شك الورق : يراد به انضمام مضه إلى بعض كما ترتب المفات مأخوذ من قولهم : شك لشئ إلى الشئ إذا ضمه إليه .