هلال بن محسن الصابي

134

الوزراء

طويلا . فشغل ما رأينا منه قلوبنا ، وظننّاه لحادث حدث ، فسألنا عن أمره ، ودافعنا ، وألححنا عليه ، فحاجزنا ، وقال : ما هاهنا إلّا خير وسلامة . فقام ابن جبير ، وكان من بيننا متهوّرا مدلّا . فقال : تأمر أيها الوزير بأمر ؟ قال : إلى أين ؟ قال : أستتر وأستر عيالي ، وسبيل هؤلاء الذين بين يديك أن يفعلوا مثل فعلى . قال : ولم ؟ قال : تعود من دار الخلافة وأنت من الغمّ الظاهر في وجهك على هذه الصورة ، ونسألك عن أمرك فتكتمنا ، ولم تجر عادتك بذلك معنا ، هل وراء هذا إلّا القبض والصّرف ؟ فقال له : اجلس يا أحمق حتى أحدّثك السبب . فجلس . وقال : ويحكم ، قد علمتم أنني أشكو إليكم نقصان هذا الرجل - يعنى المقتدر - دائما وشدّة تلوّمه « 1 » واختلاف رأيه ، وإنني أحب منذ مدة أن أزوره وأعرف قدر ذلك منه ، وهل هو في كل الأمور أو في بعضها ، وفي صغارها أم في كبارها ؟ فقلت له اليوم في أمر رجل كبير - ولم يسمّه ابن الفرات - : يا أمير المؤمنين إن فلانا قد فسد علينا ، وليس مثله من أخرج عن أيدينا . وقد رأيت أن أقلّده كذا ، وأقطعه وأسوّغه كذا - وأكثرت - لتستخلصه بذلك ، وتستخلص نيّته ، وتستديم طاعته ، ولم يجز أن أفعل أمرا إلا بعد مطالعتك ، فما تأمر ؟ قال : افعل . ثم حدّثته طويلا وخرجت من أمر إلى آخر ، وقرب وقت انصرافي فقلت له : يا مولانا ، عاودت الفكر في أمر فلان فوجدت ما نعطيه إياه مما استأذنت فيه كثيرا مؤثّرا في بيت المال ، ولا نأمن أن يطمع نظراؤه في مثل ذلك ، وإن أجبناهم عظمت الكلفة ، وإن منعناهم فسدوا ، وقد رأيت رأيا آخر في أمره . قال : ما هو ؟ قلت : أن نقبض عليه ونأخذ نعمه ونخلّده الحبس أبدا . قال : افعل . فقلت : وا ويلاه كذا واللّه تجرى حالي معه . يقال : إن ابن الفرات الكافي

--> ( 1 ) التلوم . تكلف اللوم أو تتبع الداء ليعلم مكانه . وقد تكون الكلمة أيضا محرفة عن تلونه : أي تقلبه وتغيره من حال إلى حال .