هلال بن محسن الصابي
126
الوزراء
ليلى مفكّرا في تدبير أمرى . ثم عن لي الرأي آخر الليل إلى أن ركبت إلى ابن الفرات ، فوجدت بابه مغلقا لم يفتح بعد فدققته . فقال البوابون : من الطارق ؟ فقلت : ابن الجصّاص . فقالوا : الوزير نائم وما هذا وقت وصول . فقلت : عرّفوا الحجّاب أنني حضرت في مهمّ ، فعرفوهم . فخرج إلىّ أحدهم وقال : الساعة تنبّه ، تجلس ساعة وتدخل . قلت : الأمر أهمّ من ذلك . فدخل وعرّفه ما قلته له . وخرج بعد ساعة وأدخلني من دار إلى أخرى حتى وصلت إلى مرقده ، وهو على سريره ، وحواليه خمسون فرّاشا كأنهم حفظة ، ووجدته مرتاعا من قولي ، وقد ظن حدوث حادثة ، وأنني جئته برسالة الخليفة . فلما رآني رفعني وقال لي : ما جاء بك في هذا الوقت ؟ قلت : خير ، وما حدثت حادثة ، ولا معي رسالة ، وإنما حضرت في أمر يخصّ الوزير ويخصّنى ، ولم يجز إيراده إلّا على خلوة تامّة . فسكن ثم قال لمن كان حواليه : انصرفوا . فمضوا وقال : هات . قلت : قصدتنى أيّها الوزير أعظم قصد ، وشرعت في هلاكى وزوال نعمتي من كلّ وجه ، وليس من المهجة والنّعمة عوض . ولعمري إنني قد أسأت في خدمتك ، وحرمت التوفيق في معاملتك ، إلّا أن في بعض هذه المقابلة بلاغا وكفاية ، وما تركت بابا في صلاح قلبك إلا طرقته ، ولا أمرا في استعطاف رأيك إلا قصدته ، ووسّطت بيني وبينك فلانا وفلانا ، وبذل لك كذا وكذا ، وأنت مقيم على أمرك في أذيّتى ، وما حيوان أضعف من السّنّور « 1 » ، وإذا عاثت في دكّان بقّال ثم ملكها ولزمها ولزّها إلى زواية ليخنقها وثبت عليه ، وخدشت وجهه ، وخرّقت ثيابه ، وطلبت الخلاص بكلّ ما تقدر عليه ، وقد وجدت نفسي معك في هذه المنزلة ، ورأيتها كالسّنّور التي هي على هذه الصورة . فإن صلحت لي ، وفعلت ما تقتضيه الفتوّة
--> ( 1 ) السنور : الهر .