أبي نعيم الأصبهاني
464
معرفة الصحابة
علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم ، فخررت مغشيا عليّ ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر ، فأتيت زمزم ، فشربت من مائها وغسلت عني الدماء ، فلبثت بها يا بن أخي ثلاثين من بين يوم وليلة ، ما لي طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني ، وما وجدت على كبدي سخفة جوع . قال : فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان ، إذ ضرب اللّه على أسمختهم ، فما يطوف بالبيت أحد غير امرأتين . فأتتا عليّ وهما تدعوان إسافا ونائلة . قال : قلت : أنكحا أحدهما الآخر . قال : فما تتاهتا على قولهما . قال : فأتتا علي فقلت : هذا مثل الخشبة غير أني لم أكن ، فانطلقتا تولولان ؛ وتقولان : لو كان هاهنا من أنصارنا . قال : فاستقبلهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وأبو بكر ، وهما هابطان من الجبل . فقال : ما لكما ؟ قالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها . قال : « فما قال لكما ؟ » قالتا : قال لنا كلمة تملأ الفم . قال : فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وصاحبه ، فاستلم الحجر ، ثم طاف بالبيت وصلى ، فأتيته حين قضى صلاته ، فكنت أول من حياه تحية الإسلام ، قال : « وعليك رحمة اللّه . ممن أنت ؟ » قلت : من غفار ، فأهوى بيده إلى جبهته هكذا . قال : قلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفار ، فذهبت آخذ بيده ، فدفعني عنه صاحبه وكان أعلم به مني . فقال : متى كنت هاهنا ؟ قلت : كنت هاهنا منذ ثلاثين من بين يوم وليلة . قال : « فمن كان يطعمك ؟ » قلت : ما كان لي من طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إنها مباركة إنها طعام طعم » . فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ! ائذن في طعامه الليلة . قال : ففعل فانطلق النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر ، فانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف . فقال أبو ذر : فذاك أول الطعام أكلته بها . قال : فغبرت ما غبرت ، فلقيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . فقال : « إني وجهت إلى أرض ذات النخل » ولا أحسبها إلا يثرب . « فهل أنت مبلغ عني قومك ؟ عسى اللّه أن ينفعهم بك ، ويأجرك فيهم ؟ » . قال : فانطلقت حتى لقيت أخي أنيسا . فقال : ما صنعت ؟ قال : صنعت أني قد أسلمت وصدقت . فقال أنيس : ما بي رغبة عن دينك ، وإني قد أسلمت . وصدقت . قال : فأتينا أمنا . فقالت : ما بي رغبة عن دينكما ، وإني قد أسلمت وصدقت . قال : فاحتملنا فأتينا قومنا ، فأسلم نصفهم قبل أن يقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم المدينة ، وكان يؤمهم إيماء بن رحضة ، وكان سيدهم . وقال بقيتهم : إذا قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم الحديبية أسلمنا ، فقد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فأسلم بقيتهم كلهم ، وجاءت أسلم . فقالوا : يا رسول اللّه ! نسلم على الذي أسلم عليه إخواننا . فأسلموا . فقال رسول اللّه