أبي نعيم الأصبهاني

92

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

من وصل ، لو وصلوا ما رجعوا . فقال : قول أبى سليمان يحتمل أجوبة كثيرة . قبل اشرح منها شيئا . قال : يمكن أن يكون هذا من أبى سليمان على طريق التحريض للمريدين لئلا يميلوا إلى الفتور ، ويحترزوا من الانقطاع ، ويجدوا في طلب الاتصال والقربة إلى اللّه عز وجل ، ويحتمل أن يكون أراد عاليا : ما رجع إلى الزلل من وصل إلى صافي العمل . ويحتمل : ما رجع إلى وحشة الفتور من تقحم في المقامات السنية من الأمور . ويحتمل : ما رجع إلى ذل عبودية المخلوقين من وصل إلى طيب روح اليقين ، واستند إلى كفاية الواثقين واعتمد على الثقة بما وعد رب العالمين ، فعلى هذه المعاني يحتمل الجواب في هذه المسألة على سائر المقامات . فبات السائل تلك الليلة عند الحارث ، فلما أصبح قال الحارث : رأيت فيما يرى النائم كأن راكبا وقف وأنا أتكلم في هذه المسألة فقال - وهو يشير بيده - : ما رجع إلى الانتقاص من وصل إلى الاخلاص . قال : وسئل الحارث فقيل له : رحمك اللّه البلاء من اللّه للمؤمنين كيف سببه ؟ قال : البلاء على ثلاث حجات على المخلطين نقم وعقوبات وعلى المستأنفين تمحيص الجنايات ، وعلى العارفين من طريق الاختبارات . فقيل له : صف تفاوتهم فيما تعبدوا به . قال : أما المخلطون فذهب الجزع بقلوبهم وأسرتهم الغفلة فوقعوا في السخط ، وأما المستأنفون فأقاموا للّه بالصبر في مواطن البلاء حتى تخلصوا ونجوا منه بعد مكابدة ومئونة ، وأما العارفون فتلقوا البلاء بالرضا عن اللّه عز وجل فيما قضى ، وعلموا أن اللّه عدل في القضاء فسروا بحلول المكروه لمعرفة عواقب اختيار اللّه لهم . قيل له : فما معنى هذه الآية ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ) أو لم يعلم ؟ قال : بلى قد علم ما يكون قبل أن يكون ، ولكن معنى قوله ( حَتَّى نَعْلَمَ ) حتى نرى المجاهدين في جهادهم والصابرين في صبرهم . وقد روى أن اللّه تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إني لحفى بالمريدين لي وإن بعيني ما تحمل المتحملون من أجلى ، وما يكابد المكابدون في طلب رضائي ، أتراني أضيع لهم عملا ، أو أنسى لهم أثرا ، كيف وأنا ذو الجود أجود بفضلى على المولين عنى ،