أبي نعيم الأصبهاني

86

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

الحرص . وقيل له : كيف تفاوت الناس في الزهد ؟ قال : على قدر صحة العقول وطهارة القلوب ، فأفضلهم أعقلهم ، وأعقلهم افهمهم عن اللّه ، وأفهمهم عن اللّه أحسنهم قبولا عن اللّه ، وأحسنهم قبولا عن اللّه أسرعهم إلى ما دعا اللّه عز وجل ، وأسرعهم إلى ما دعا اللّه عز وجل أزهدهم في الدنيا ، وأزهدهم في الدنيا أرغبهم في الآخرة . فبهذا تفاوتوا في العقول ، فكل زاهد زهده على قدر معرفته ، ومعرفته على قدر عقله ، وعقله على قدر قوة إيمانه ، فمن استولى على قلبه وهمه علم كشف الآخرة ، ونبهه التصديق على القدوم عليها ، وتبين بقلبه عوار الدنيا ، ودله بصائر الهدى على سوء عواقبها ، ومحبة اختيار اللّه في تركها ، والموافقة للّه في العزوف عنها ، ترحلت الدنيا عن قلب هذا الموفق . وسئل عن علامة الصادق فقال : أن يكون بصواب القول ناطقا لسانه ، محزون ، ونطقه بالحق موزون ، طاهر القلب من كل دنس ، ومصافى مولاه في كل نفس . * أخبرنا محمد في كتابه قال : أنبأنا أحمد بن عبد اللّه بن ميمون قال قال الحارث بن أسد : المنقطع إلى اللّه عز وجل عن خلقه ظاهره ظاهر أهل الدنيا وباطنه باطن المجلين الهائبين لربهم ، لأنه صرف قلبه إلى ربه فاشتغل بذكر رضاه عن ذكر رضا خلقه ، فطاب في الدنيا عيشه ، وتطهر من آثامه ، وأنزل الخلق بالمنزلة التي أنزلهم ربهم ، عبيدا إذ لا يملكون له ضرا ولا نفعا ، فآثر رضاء اللّه على رضاهم ، فسخت نفسه بطلب رضى اللّه ، وإن سخط جميع خلق اللّه يرضى اللّه بسخط كل أحد ، ولا يسخط اللّه برضى أحد من خلقه ، فملاك أمره في جميع ذلك ترك الاشتغال والتثبيت لمراقبة الرقيب عليه ، فلا يعجل فيسخطه عليه . وقال : أسرع الأشياء عظة للقلب وانكسارا له ذكر اطلاع اللّه بالتعظيم له ، وأسرع الأشياء إماتة للشهوات لزوم القلب الأحزان . وأكثر الأشياء صرفا إزالة الاشتغال بالدنيا من القلوب عند المعاينة والمباشرة لها الاعتبار بها والنظر إلى ما غاب من الآخرة ، وأسرع الأشياء هيجانا للتعظيم للّه من القلب تدبر الآيات ، والدلائل في التدبير المحكم ، والصنعة المحكمة