أبي نعيم الأصبهاني

84

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

النجائب معكم نبيكم ، لتزوروا ماجدا واحدا لا يملكم . قالوا له : فما حال الزوار عنده إذا قصدوه تبارك اسمه معهم نبيهم ؟ قال . إنهم حين قاربوه تجلى لقربهم ، فإذا عاينوا المليك تقضت همومهم ، سمعوا كلامه وسمع كلامهم . قالوا فما علامة من سقاه اللّه بكأس محبته ؟ فقال : علامته أن يكون عليل الفؤاد بذكر المعاد ، بطيء الفتور في جميع الأمور ، كثير الصيام شديد السقام ، عفيفا كفيفا ، قلبه في العرش جوال ، واللّه مراده في كل الأحوال . قلت : رحمك اللّه ما أقرب ما يتقرب به العبد المحب إلى اللّه ؟ قال : حدثني محمد بن الحسين قال سئل أبو سليمان الدارانى عن أقرب ما يتقرب به إليه . قال : أن يطلع على قلبه وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره ففي هذا دليل على أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى اللّه كل عمل عمله بالاخلاص للّه والاشفاق عليه من عدوه ، وإن قل ذلك فهو المقبول إذا كان على حقيقة التقوى معمولا ، كما قال علي بن أبي طالب : عمل صالح دائم مع التقوى وإن قل ، وكيف يقل ما يتقبل ، وذلك أن المحب للّه هو على الركن الأعظم من الايمان الذي يمكن ان يستكمله العبد ، ولا يحسن به ادعاؤه وهو ركن المعرفة بالنعم ، وإظهار الشكر للمنعم ، وذلك أن اللّه تعالى يقول لولى من أوليائه : يا عبدي أما زهدك في الدنيا فطلبت به الراحة لنفسك ، وأما انقطاعك إلى فتعززت بي فهل عاديت لي عدوا أو واليت لي وليا ؟ فيخبرك أنه جعل الحب والبغض فيه أعظم عنده ثوابا من الزهد في الدنيا ، والانقطاع إليه . قلت له : صف لي زهد المحبين ، وزهد الخائفين ، وزهد الورعين ، وزهد المتوكلين . فقال : إن العباد زهدوا في حلال الدنيا خوفا من شدة الحساب إذ سئلوا عن الشكر فلم يؤدوا الشكر على قدر النعم ، وفرقة من الخائفين زهدوا في الحرام خوفا من حلول النقمة ، فزهد الخائفين ترك الحرام البين . وزهد الورعين ترك كل شبهة ، وزهد المتوكلين ترك الاضطراب فيما قد تكفل به من المعاش ، لتصديقهم بوفاء الضامن . وزهد المحبين قد قالت فيه العلماء ثلاثة أقوال فقالت فرقة : زهد المحب في الدنيا كلها في حلالها وحرامها ، لقلتها في نفسه . وقالت