أبي نعيم الأصبهاني

77

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

علاج قلوبهم ثم أمرهم بإصلاح الأوجاع ، وأوعز إليهم في الرفق عند المطالبات وضمن لهم إجابة دعائهم عند طلب الحاجات ، نادى بخطرات التلبية من عقولهم في أسماع قلوبهم ، انه تبارك وتعالى يقول : يا معشر الأدلاء من أتاكم عليلا من فقدى فداووه ، وفارا من خدمتي فردوه ، وناسيا لأيادى ونعمائي فذكروه ، لكم خاطبت لانى حليم ، والحليم لا يستخدم إلا الحلماء ، ولا يبيح المحبة للبطالين ضنا بما استأثر منها ، إذ كانت منه وبه تكون فالحب للّه هو الحب المحكم الرصين ، وهو دوام الذكر بالقلب واللسان للّه وشدة الأنس باللّه ، وقطع كل شاغل شغل عن اللّه ، وتذكار النعم والأيادى ، وذلك أن من عرف اللّه بالجود والكرم والإحسان اعتقد الحب له إذ عرفه بذلك أنه عرفه بنفسه وهداه لدينه ، ولم يخلق في الأرض شيئا إلا وهو مسخر له وهو أكرم عليه منه ، فإذا عظمت المعرفة واستقرت هاج الخوف من اللّه وثبت الرجاء . قلت خوفا لماذا ؟ ورجاء لما ذا ؟ قال : خوفا لما ضيعوا في سالف الأيام لازما لقلوبهم ، ثم خوفا ثابتا لا يفارق قلوب المحبين ، خوفا أن يسلبوا النعم إذا ضيعوا الشكر على ما أفادهم ، فإذا تمكن الخوف من قلوبهم وأشرفت نفوسهم على حمل القنوط عنهم هاج الرجاء بذكر سعة الرحمة من اللّه ، فرجاء المحبين تحقيق ، وقربانهم الوسائل ، فهم لا يسأمون من خدمته ، ولا ينزلون في جميع أمورهم إلا عند أمره ، لمعرفتهم به أنه قد تكفل لهم بحسن النظر ، ألم تسمع إلى قول اللّه ( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ) فدخلت النعم كلها في اللطف ، واللطف ظاهر على محبته خاصة دون الخليقة ، وذلك أن الحب إذا ثبت في قلب عبد لم يكن فيه فضل لذكر أنس ولا جان ، ولا جنة ولا نار ، ولا شيء إلا ذكر الحبيب وذكر أياديه وكرمه ، وذكر ما دفع عن المحبين له من شر المقادير ، كما دفع عن إبراهيم الخليل عليه السلام وقد أججت النار وتوعده المعاند بلهب الحريق ، فأراه جل وعز آثار القدرة في مقامه ، ونصرته لمن قصده ، ولا يريد به بدلا . وذكر ما وعد أولياؤه من زيارتهم إياه وكشف الحجب لهم ، وأنهم لا يحزنهم الفزع الأكبر في يوم فزعهم إلى معونته على شدائد الأخطار ،