أبي نعيم الأصبهاني

74

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

مصححة مذكورة ، كان في علم الأصول راسخا وراجحا وعن الخوض في الفضول جافيا وجانحا ، وللمخالفين الزائغين قامعا وناطحا ، وللمريدين والمنيبين قابلا وناصحا . وقيل إن فعل ذوى العقول . الأخذ بالأصول والترك للمفضول ، واختيار ما اختاره الرسول . صلى اللّه عليه وسلم . * أخبر جعفر بن محمد الخواص - في كتابه - وحدثني عنه أحمد بن محمد ابن مقسم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول : كان الحارث المحاسبي يجئ إلى منزلنا فيقول : اخرج معي نصحن فأقول له : تخرجني من عزلتى وأمنى على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات ؟ فيقول : اخرج معي ولا خوف عليك . فأخرج معه فكان الطريق فارغ من كل شيء ، لا نرى شيئا نكرهه فإذا حصلت معه في المكان الذي يجلس فيه قال لي : سلني ، فأقول له : ما عندي سؤال أسألك ، فيقول لي : سلني عما يقع في نفسك ، فتنثال على السؤالات فأسأله عنها فيجيبني عليها للوقت ثم يمضى إلى منزله فيعملها كتبا . * أخبر جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد يقول : كنت كثيرا أقول للحارث : عزلتى أنسى وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات ؟ فيقول لي : كم تقول لي أنسى في عزلتى ؟ لو أن نصف الخلق تقربوا منى ما وجدت بهم أنسا ، ولو أن النصف الآخر نأى عنى ما استوحشت لبعدهم . * أخبر جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه أبو الحسن قال سمعت الجنيد يقول : كان الحارث كثير الضر فاجتاز بي يوما وأنا جالس على بابنا فرأيت في وجهه زيادة الضر من الجوع فقلت له : يا عم لو دخلت إلينا نلت من شيء عندنا . فقال : أو تفعل ؟ قلت نعم وتسرنى بذلك وتبرنى فدخلت بين يديه ودخل معي وعمدت إلى بيت عمى - وكان أوسع من بيتنا لا يخلو من أطعمة فاخرة لا يكون مثلها في بيتنا سريعا - فجئت بأتواع كثيرة من الطعام فوضعته بين يديه فمد يده وأخذ لقمة فرفعها إلى فيه فرأيته يلوكها