أبي نعيم الأصبهاني
71
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
عليه وسلم في زمانه دعا إلى الزهد في فضول الدنيا والتهاون بها ، ومن معه من العلماء كانوا يحذرون حلال الدنيا ويشفقون منها أشد من حذر الجهال من حرامها لأنه لا يسلم من الدنيا من ينالها ، ولا يسلم من شرها من أحبها وأمن مكرها ، هي حتف أهلها دون الحتف ، واعلم أن العالم باللّه الخائف من اللّه يهدم بحق اللّه باطل أهل الرغبة في الدنيا ، وأن العالم المغتر يطفئ نور الحق بظلمة الباطل واعلم أن اللّه إذا أراد أن يغنى فقيرا أو يفقر غنيا أو يرفع وضيعا أو يضع رفيعا فعل ما أراد من ذلك ، فلا تغالب اللّه على أمره ، ولا تلتمس شيئا من ذلك بغير طاعة اللّه ، فان الذين التمسوا الأمور بغير طاعة اللّه خسروا خسرانا مبينا ، فيما أصابوا بما طالبوا ، وفيما أخطأهم مما أرادوا ، فانظر إذا كنت إماما أي إمام تكون ، فربما بحت الأمة بالامام الواحد ، وربما هلكت بالامام الواحد ، وإنما هما إمامان إمام هدى قال اللّه عز وجل : ( وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا ) يعنى على الدنيا . وإنما صاروا أئمة حين صبروا عن الدنيا ، ولا يكون إمام هدى حجة لأهل الباطل فإنه قال : ( يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ) لا بأمر أنفسهم ، ولا بأمور الناس ، فقال : ( وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ ) فهذا إمام هدى فهو ومن أجابه شريكان . وإمام آخر قال اللّه تعالى : ( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) ولا تجد أحدا يدعو إلى النار ولكن الدعاة إلى معصية اللّه ، فهذان إمامان هما مثل من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين . واعلم أن باب الآخرة مفتوح فأدخله تصل إلى رحمة اللّه ، ولتكن في كنف اللّه وحفظه وولايته وستره وأجره ورزقه وكفايته ، فان اللّه لا يخلف الميعاد ، واعلم أنه ليس بين اللّه وبين العباد وسيلة إلا طاعته ، فإنها وسيلة العباد إليه فلا تتوسلوا إلى اللّه بغير الوسيلة التي جعلها اللّه سبيلا وسببا إليه ، فان ديان الدين إنما يدين العباد غدا بأعمالهم ، ولا يدينهم بمنازلهم في الدنيا . واعلم أنك قد كفيت مئونة من بعدك فلا تتكلف مئونة من قد كفيت بافساد نفسك ، واعلم أن الناس قبلك قد جمعوا لأولادهم فلم يبق ما جمعوا لهم ولا من جمعوا له . واعلم