أبي نعيم الأصبهاني
332
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
كان الجنيد له مواخيا ، وعليه حاميا وحانيا . وذلك أن الجنيد بلغه أن بعض المتأولين زين له تأويلا فمال إليه فكتب إليه الجنيد رسالة : * أخبرنا بها أبو بكر محمد بن أحمد بن المفيد وحدثنا بها عنه أبو عمرو العثماني ثنا عبد الصمد بن محمد الجبلي قال : كتب الجنيد إلى إبراهيم بن أحمد المارستانى رسالة فيها : يا أبا إسحاق لا ضيع اللّه ميلى إليك ، ولا إقبالى عليك أنا عليك عاتب واجد ، ولما تقدم من فعلك غير حامد ، أرضيت أن تكون لبعض عبيد الدنيا عبدا ؟ أو يكون بطاعتك له عليك مهيمنا وربا ، يتخولك ببعض ما يعطيك ، ويمتهنك بيسير ما يزريك مبتذلا لك ، ثم يدنسك بأوساخ وضره ويجتذبك بمأثور ضرره ؟ فسبحان من بسط إليك به رحمته ورأفته فاستنقذك بذلك من وبال ما اخترته لنفسك وملت إليه ، لقد كدت أن تغرق في خلجان بحرها ، أو تهلك في بعض مفاوزها . ولقد أوجب على من الشكر لما جدد من النعمة عليك ووهب لي من السلامة فيك . ما لا أقوم به عجزا عن واجب حقه إلا أن يقوم به لي عنى ، وأنا أسأل المنان المتطول بفضله المبتدى بكرمه وامتنانه ، أن يقوم لي عنى بما قصر له به شكري ، بادئا في ذلك بالحمد والجود كما هو أهله ، بل ما لا أحصيه من نعمه ، فليت شعري أبا إسحاق كيف معرفتك بما جدد لك من نعمه وآلائه ، وزوى عنك من عطب فرط بلائك ، وكيف علمك بعد معرفتك فيما ألزمك المنعم عليك والمنان بفضله وإحسانه فيما أسدى إليك . ألك ليل ترقده ، أم نهار تمهده أم مستراح عن الجد تجده ، أم طعام تعهده ، أم سبب من الأسباب دون ذلك تقصده ؟ على أن ذلك غير نائب عنك في وجوب حق النعمة عليك فيما جدد به من عتيد البر لديك ، لكنه الغاية الممكنة من فعلك ، والاجتهاد في بلوغ الاجر من عملك ، فكن له بأفضل ما هيأ لك عاملا ، وعليه به في سائر أوقاتك مقبلا . ثم كن له بعد ذلك خاضعا مذعنا ضارعا معترفا ، فان ذلك يسير من كثير وجب له عليك . وبعد يا أخي فاحذر ميل التأويل عن الحقائق ، وخذ لنفسك بأحكم الوثائق . فان التأويل كالصفاء الزلال الذي لا تثبت عليه الأقدام ، وإنما هلك من