أبي نعيم الأصبهاني
328
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
في مواضع الأعمال . والفقير ضعف بدنه في العمل قوة معرفته وصحة توكله ، والفقير يعمل على إدراك حقيقة الايمان وبلوغ ذروته ، والغنى يعمل على نقصان في إيمانه وضعف من معرفته . والفقير يفتخر باللّه عز وجل ويصول به ، والغنى يفتخر بالمال ويصول بالدنيا ، والفقير يذهب حيث شاء والغنى مقيد مع ماله ، والفقير يكره إقبال الدنيا والغنى يحب إقبالها ، والفقير فوق ما يقول والغنى دون ما يقول . والناس رجلان رجل وعبد فالرجل مهموم بتدبير نفسه متعوب بالسعي في مصلحته ، والعبد طرح نفسه في ظل الربوبية وكان من حيث العبودية ، وعلى قدر حسن قبول العبد عن اللّه تكون معونة اللّه له . والمتوكلون الواثقون بضمانه غابوا عن الأوهام وعيون الناظرين فعظم خطر ما أوصلهم إليه وجل قدر ما حملهم عليه وعظمت منزلتهم لديه . فيا طيب عيش لو عقل ويا لذة وصل لو كشف ويا رفعة قدر لو وصف وفي ذلك يقول . معطلة أجسامهم لا عيونهم * ترى ما عليهم من قضاياه قد يجرى جوارحهم عن كل لهو وزينة * محجبة ما أن تمر إلى أمر فهم أمناء اللّه في أهل أرضه * ملوك كرام في البراري وفي البحر رؤوسهم مكشوفة في بلادهم * وهم بصواب الأمر أسبابهم تجرى عدول ثقات في جميع صفاتهم * أرق عباد اللّه مع صحة السر هنيئا لمغبوط يصول بسيد * يعادل قرب الامر والبعد في الفكر فيا زلفة للعبد عند مليكه * فصار كمن في المهد ربى وفي الحجر ويا حسرة المحجوب عن قدر ربه * بأدناسه في نفسه وهو لا يدرى قال : والعارف باللّه يحمله اللّه بمعرفته ، وسائر الناس تحملهم بطونهم ، ومن نظر الأشياء بعين الفناء كانت راحته في مفارقتها ولم يأخذ منها إلا لوقته . قال والرزق ليس فيه توكل إنما فيه صبر حتى يأتي اللّه به في وقته الذي وعد ، وإنما يقوى صبر العبد على قدر معرفته بما صبر له أو لمن صبر ، والصبر ينال بالمعرفة وعلى الصابر حمل مئونة الصبر حتى يستحق ثواب الصابرين ، لأن اللّه تعالى جعل الجزاء بعد الصبر قال اللّه تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ