أبي نعيم الأصبهاني
293
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
إن اللّه جعل الاختبار موصولا بالاختيار ، والإجابة مؤداة إلى الأبرار ، بتوفيق هدايته وابتداء رأفته ، وجعل رحمته مفتاحا لكل خير في أرضه وسمائه . فكان مما اختار لنفسه عبادا اتخذهم لنفسه ورضيهم لعبادته واصطنعهم لخدمته واجتباهم لمحبته ونصبهم لدعوته وأبرزهم لأجابته واستعملهم بمرضاته ، فألطف لهم في الدعوة باختصاص المنة ، فأظهر دعوته في قلوبهم باظهار صنعه وصنعائه ، وما غذاهم به من لطفه وألطافه وبره ونعمائه ، فوطأ لهم الطريق ، وكشف عن قلوبهم فسارعت قلوبهم بإجابة التحقيق ، وذلك لما عرفوا واستبانوا مما به للّه دانوا مما تعرف به إليهم من البر والتحف والكرامات والطرف والفوائد السنية والمواهب الهنية ، فسارعت لأجابته بخالص موافقته والأعراض عن مخالفته والعطف على كل ما عطف به عليها والإقبال على كل ما دعاها إليه بلا تثبط في مسير ولا التفات في جد ولا تشمير ، فوصلوا الغدو بالتبكير وقطعوا فيها العلائق وانفردوا به دون الخلائق ، فساروا سير متقدمين ، وجدوا جد معتزمين ، وحثوا حث مبادرين ، وداوموا مداومة ملازمين ، وانتصبوا انتصاب خائفين للفوت والحرمان ، وخوف السلب لما تقدم إليهم من الإحسان ، فعبدوه بأبدان خفاف ، وعاملوه بفطن لطاف ، وقصدوه بارادات صادقة ، وهمم خالصة ورغبات طامحة ، وقلوب صافية ، فابتدءوا من معاملة اللّه فيما به ابتدأهم حين دعاهم إذ يقول تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ) فطلبوا طيب الحياة باخلاص الإجابة ، وعملوا في الظفر بالحياة إذ دعاهم اللّه إليها ، ونبههم بلطفه عليها ، فجعلوا إقامتهم وإرادتهم وأملهم ومناهم الظفر بالحياة فعملوا في تحقيق موجباتها في الأحوال الواردة بهم عليها . * سمعت أبا محمد عبد اللّه بن محمد بن جعفر يقول سمعت عمرو بن عثمان المكي يقول في وصف سياسة النفوس قال : يبتدئ بعد الإجابة بتوفيق النفوس لما كان منها من مخالفة الملك ومعصيته الجبار ، فألزمها التوبة والتنصل والاعتذار وتكرير الاستغفار الاجتهاد في حل الاصرار باللجأ والاستئجار والاعتصام بمليكهم الجبار ، فوافقوها موافقة على موازنة ، وعاتبوها معاتبة على محاضرة