أبي نعيم الأصبهاني

266

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

اللّه عليه وسلم أنه قال لرجل : « اعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » . فأمره بحالتين إحداهما أقوى من الأخرى ، لأنى كأني أرى الشيء بقوة العلم به وحقيقة التصديق له أقوى من أن أكون أعلم أن ذلك يراني ، وإن كان علمي بأنه يراني حقيقة علم موجبة للتصديق ، والمعنى الأول أولى وأقوى ، والفضل بجمعهما على تقديم إحداهما على الأخرى . قال أحمد : وسألته عن علامة الايمان قال : الإيمان علامته طاعة من آمنت به ، والعمل بما يحبه ويرضاه ، وترك التشاغل عنه بشيء ينقضى عنده حتى أكون عليه مقبلا ، ولموافقته مؤثرا ، ولمرضاته متحيرا ، لأن من صفة حقيقة علامة الايمان ألا أوثر عليه شيئا دونه ، ولا أتشاغل عنه بسبب سواه ، حتى يكون المالك لسرى والحاث لجوارحى بما أمرني من آمنت به ، وله عرفت ، فعند ذلك تقع الطاعة للّه على الاستواء ، ومخالفة كل الأهواء ، والمجانبة لما دعت إليه الأعداء ، والمتاركة لما انتسب إلى الدنيا ، والاقبال على من هو أولى ، وهذه بعض الشواهد والعلامات فيما سألت عنه ، وصفة الكل يطول شرحه . قل وسألته : ما الايمان ؟ فقال هذا سؤال لا حقيقة له ولا معنى ينبئ عن مزيد من علم ، وإنما هو الايمان باللّه جل ثناؤه مجردا ، وحقيقته في القلوب مفردا ، وإنما هو ما وقر في القلب من العلم باللّه ، والتصديق ، وبما أخبر من أموره في سائر سماواته وأرضه مما ثبت في الايقان ، وإن لم أره بالعيان ، فكيف يجوز أن يكون للصدق صدق ، وللايقان إيقان ، وإنما الصدق فعل قلبي ، والايقان ما استقر من العلم عندي ، فكيف يجوز أن يفعل فعلى ، وإنما أنا الفاعل ، أو يعلم علمي ونما أنا العالم ، والسؤال في الابتداء غير مستقيم ، ولو جاز أن يكون للايمان إيمان ولتصديق تصديق ، جاز أن يوالى ذلك ويكرر إلى غاية تكثر في العدد وجاز أن يكون كما عاد على ثواب إيماني وثواب تصديقي أن يعود على إيمان إيماني ثواب ، وعلى تصديق تصديقي جزاء ، ولو أردت استقصاء القول في واجب ذلك لا تسع به الكتاب ، وطال به الخطاب ، وهذا مختصر من الجواب .