أبي نعيم الأصبهاني
242
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
ونحو هذا . إلا أن كلامه دلني على مجالسة من تقع على هيبته . قال يوسف : وقيل لذي النون : أين مجلس الآمنين ؟ فقال : في مقعد صدق عند مليك مقتدر . قال يوسف : وسألت ذا النون يوما من الأيام : من أصحب ؟ قال : لا تصحب من ينخدع بغيرك . قال يوسف : فعرضت هذه الكلمة على طاهر المقدسي فقال : نهاك عن صحبة الخلائق بأسرها . قال وسمعت يوسف يقول : زار ذو النون أخا له في شقة بعيدة ، فقال ذو النون : ما بعد طريق أدى إلى صديق ، ولا ضاق مكان من حبيب . قال وسمعت ذا النون وقيل له : مالك إذا رأيت العاصي لا تحقد عليه ، وتقبح فعله وتهجره ؟ فقال : لأنى انظر إلى الصانع في الصنع فيهون على المصنوع . قال وسمعت يوسف بن الحسين يقول : سمعت الفتح بن شخرف يقول قال لي ذو النون : من قطع الآمال من الخلق وصل إلى الخالق . ولن يصل عبد إلى محبوبه دون قطع الآمال ممن دونه ، فمن أحب لقاء اللّه فليرم بكنفه عنده ، وليخلص وليشمر وليصبر ويرضى ويستسلم مخاطرا بنفسه فتؤديه مخاطرة نفسه إلى نفسه . قال وسمعت يوسف بن الحسين يقول : حدثني محمد بن يحيى السرخسي الناسك قال : سمعت أبا يزيد البسطامي يقول : الحب للّه على أربعة فنون : ففن منه وهو منته . وفن منك وهو ودك . وفن له ، وهو ذكرك له . وفن بينكما وهو العشق . قال يوسف : فذكرت ذلك لذي النون فقال : هذا الكمال . الزاهد يقول : كيف أصنع ؟ والعارف يقول : كيف يصنع بي ؟ ثم قال : تاه القوم في جماله وجلاله . قال : وسمعت يوسف بن الحسين يقول قال ذو النون : مقامات الرجال تسعة عشر مقاما أولها الإجابة ، وأعلاها التوكل . وقال ذو النون : الناس أعداء ما جهلوا ، وحساد ما منعوا من جهل قدره هتك ستره . قال : وأتاه رجل يوما فقال : يا أبا الفيض أوصني فقال : بم أوصيك ؟ إن كنت ممن قد أيدت منه في علم الغيب بصدق التوحيد فقد سبق لك قبل أن تخلق إلى يومنا هذا دعاء النبيين والمرسلين والصديقين وذلك خير من وصيتي . وإن يكن غير ذلك فلن ينفعك النداء . قال وسمعته يقول : استعبدنا بالعناء فلا بد من الانقياد له . قال : وسئل : لم أحب الناس