أبي نعيم الأصبهاني

204

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

مائة حسنة فقيل يا أبا محمد وكيف هذا ؟ قال : نعم يا دوست ، إن المؤمن لا يكتسب سيئة إلا وهو يخاف العقوبة عليها ، ولو لم يكن كذلك لم يكن مؤمنا ، وخوفه العقاب عليها حسنة ، ويرجو غفران اللّه لها ، ولو لم يكن هكذا لم يكن مؤمنا ، ورجاؤه لغفرانها حسنة ، وهو يرى التوبة منها ، ولو لم يرها لم يكن مؤمنا ، ورؤيته التوبة منها حسنة ، ويكره الدلالة عليها ، ولو لم يكره الدلالة عليها لم يكن مؤمنا ، وكراهة الدلالة عليها حسنة . ويكره الموت عليها ولو لم يكره الموت عليها لم يكن مؤمنا ، وكراهته للموت عليها حسنة . فهذه خمس حسنات وهي بخمسين حسنة ، الحسنة بعشر أمثالها ، لقوله تعالى ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) فهذه تصير مائة حسنة فما ظنكم بسيئة تعتورها مائة حسنة وتحيط بها ، واللّه تعالى يقول ( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) وما ظنكم بثعلب بين مائة كلب أليس يمزقونه . ثم بكى سهل وقال : لا تحدثوا بهذا الجهال من الناس فيتكلوا ويغتروا ، فان هذه السيئة هي شيء عليه وحسناته هي أشياء له ، وما عليه فلله أن يأخذه به ويكون عادلا بعقوبته عليه . وما له لا يظلمه اللّه عز وجل ، بل يوفيه ثوابه وإن كان بعد حين . ومن يصبر على حر نار جهنم ساعة واحدة . ولكن بادروا بالتوبة من هذه السيئة حتى تأمنوا العقوبة وتصيروا أحباب اللّه ، فان اللّه يحب التوابين . قال وسمعت سهل بن عبد اللّه يقول : إن الأمراض والأسقام والأحزان والمصائب إنما هي كفارات للصغائر ، وأما الكبائر فلا يسقطها إلا التوبة ، ومثله كمثل حبر يصيب الثوب فلا يقلعه إلا الصابون الحاد ، والمعالجات بالخل والأشنان وغيره . ومثل الصغائر كمثل قليل دبس يصيب الثوب فيذهبه الريق وقليل من الماء . فقيل : يا أبا محمد أليس قد روى أن المصائب كفارات وأجر . فضحك وقال : يا دوست إن المصائب إذا ضم إليها الصبر والاحتساب تكون كفارة وأجرا كلاهما ، فأما إذا لم يصبر عليها ولم يحتسبها تكون كفارات وحططا لا أجر فيها ولا ثواب . وبيان ذلك أن المصائب فعل غيرك ولا تثاب على فعل غيرك ، وصبرك واحتسابك فعل لك فتؤجر وتثاب .