أبي نعيم الأصبهاني

180

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

إلا عندك ، وقد صحت لي الظنون فيك . إلهي فما بال حاجتي محتبسة وأنت لا تخلف الظنون . قال : فنودي : هاك حاجتك ، فلهذا الكلام حبست حاجتك . قال : فخر مغشيا فلم يفق أياما ثم رفع رأسه فقال : إلهي أكل هذا تفعل بالمذنبين . فصعق وخر ميتا . * حدثنا عبد اللّه بن محمد حدثني أحمد بن سعيد عن عبيد اللّه بن عبد الملك قال قال ذو النون المصري : وصف لي باليمن رجل قد برز على المجتهدين ، وذكر لي باللب والحكمة ، فخرجت حاجا إلى بيت اللّه ، فلما قضيت نسكي أتيته لأسمع من كلامه وأنتفع بموعظته ، فأقمت على بابه أياما حتى ظفرت به ، وكان أصفر اللون من غير مرض ، أعمش العينين من غير عمش ، ناحل الجسم من غير سقم ، يحب الخلوة ويأنس إلى الوحدة ، تراه كأنه قريب عهد بمصيبة . قال : فخرج الشيخ ذات يوم إلى صلاة الجمعة فاتبعناه بأجمعنا لنكلمه ، فبادر إليه شاب فسلم عليه وصافحه وأبدى له الترحيب والبشر ، فقال له الشاب : إن اللّه بمنه وفضله جعلك ومثلك أطباء لسقام القلوب ، ومعالجين لأوجاع الذنوب ، وبي جرح قد نغل ، وداء قد استطال ، فان رأيت أن تتلطف ببعض مراهمك وتعالجنى برفقك . فقال له الشيخ : سل عما بدا لك . قال : ما علامة الخوف من اللّه ؟ قال : أن تؤمن نفسك من كل خوف إلا الخوف من اللّه . فاضطرب الشاب كما تضطرب السمكة في شبكة الصياد والشيخ قائم بإزائه . ثم إن الشاب رجع وأمر يده على وجهه وقال : رحمك اللّه متى يتبين للعبد خوفه من اللّه ؟ قال : يا بنى إذا أنزل نفسه في الدنيا بمنزلة السقيم وهو يحتمى من كل الطعام مخافة طول الأسقام . قال : فصاح الشاب صيحة ثم قال : أوه عاقبت فأوجعت . فقال الشيخ : بل داويت فأحسنت ، وعالجت فرفقت . فمكث الشاب ساعة لا يحير جوابا . ثم إن الشاب أفاق فأمر يده على وجهه وقال له : رحمك اللّه فما علامة المحب للّه ؟ قال فانتفض الشيخ فزعا وجرت الدموع على وجهه كنظام اللؤلؤ ثم قال : يا شاب ان درجة الحب درجة سنية بهية رفيعة . قال : فأنا أحب أن تصفها لي . قال : إن المحبين للّه شق لهم عن قلوبهم