أبي نعيم الأصبهاني

148

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

لا تغرنك قراءته ، واللّه واللّه إنه شر من الغناء وضرب العود - وكان مهيبا ولم أسأله يومئذ - فلما كان بعد أيام ارتفع إلى بنى قشير فقمت وسلمت عليه فقلت : يا أبا عبد الرحمن إنك قلت لي يومئذ كذا وكذا . فكأنه نصيب عينه فقال لي : يا أخي نعم ، لأن يطلب الرجل هذه الدنيا بالزمر والغناء والعود خير أن يطلبها بالدين . ثم قال زهير : لا أعلم أنى توكلت على اللّه ساعة قط . قال أحمد : وسمعت الحصين بن جميل يقول سمعت زهيرا يقول : إن قدرت أن تكون عند اللّه أخس من كلب فافعل . قال أحمد : وكتب إلينا - وكان بأصبهان الوباء والمجاعة - إن الموت كثير . وقال لي حصين : يا أبا يحيى تعالى حتى نرتفع إلى زهير فنخبره بما كتب إلينا فلعله يدعو لهم بدعوة . فأتيته فأخبرته بما كتب إلينا من كثرة الموت ، فقال لي : لا تأمنن من الموت قلته ، ولا تخافن كثرته ثم قال : حدثني معدى عن رجل يكنى بأبى البغيل - وكان قد أدرك زمن الطاعون - قال كنا نطوف في القبائل وندفن الموتى ، فلما كثروا لم نقو على الدفن ، فكنا ندخل الدار قد مات أهلها فنسد بابها . قال فدخلنا دارا ففتشناها فلم نجد فيها أحدا حيا ، قال فسددنا بابها ، قال فلما مضت الطواعين كنا نطوف في القبائل وننزع تلك السدة التي سددناها فنزعنا سدة ذلك الباب التي دخلناها ففتشناها فلم نجد أحدا حيا . قال فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين كأنه خذ ساعتئذ من حجر أمه ، قال ونحن وقوف على الغلام نتعجب منه . قال فدخلت كلبة من شق أو خرق في حائط . قال فجعلت تلوذ بالغلام والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها . قال زهير قال معدى رأيت هذا الغلام في مسجد البصرة قد قبض على لحيته . قال : وكان زهير كثيرا ما يتمثل بهذا البيت : حتى متى أنت في دنياك مشتغل * وعامل اللّه عن دنياك مشغول قال أحمد : وبلغني عن الباهلي قال : كنت أقود زهيرا فلما أردت أن أفارقه قلت له : أوصني . قال : إذا رأيت الرجل لا ينصف من نفسه فان قدرت أن لا تراه فلا تراه . قال أحمد وكان زهير أصيب ببصره في آخر عمره فبلغني أن بعض إخوانه استقبله بعد ما أصيب ببصره فسلم عليه فقال : من الرجل ؟