أبي نعيم الأصبهاني

111

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

خصال : إنك إن حفظتها لا تبالى ما أضعت بعدها ، قلت : نعم . قال : عانق الفقر ، وتوسد الصبر ، وعاد الشهوات ، وخالف الهوى ، وافزع إلى اللّه في جميع أمورك . قلت : فإذا كنت كذلك ؟ قال يهب اللّه لك خمسا : الزهد ومع الزهد القنوع ومع القنوع الرضا ، ومع الرضا المعرفة ، ومع المعرفة الشوق . ثم يهب لك خمسا : السباق ، والبدار ، والتخفف ، وحسن البشارة ، وحسن المنقلب إلى اللّه . أولئك أحباء اللّه . قلت : فأين ترى لي أن أسكن ؟ قال : ارحل نحو لكام . قلت : فهل شيء أعيش به ؟ قال : فمقت في وجهي وقال : تفر إلى اللّه من ذنبك ، وتستبطئه في رزقك ؟ فلا واللّه ما أدرى دخل البحر أم لا . وحكى جعفر بن نصير عن السرى بزيادة ألفاظ . * أخبر جعفر بن محمد - في كتابه حاكيا عن السرى السقطي - قال : خرجت من بغداد أريد الرباط إلى عبادان فصحبنى على الجرجاني في الزورق ، فلما حضر وقت إفطاري أخرجت قرصين من شعير وملح مدقوق وقلت لعلى : هلم يا أبا الحسن . قال : فجعل يطيل النظر إلى الرغيفين والملح ، ثم إنه التفت إلى فقال : يا سرى ملحك مدقوق ! قلت : نعم . قال : يا سرى ليس تفلح . قلت : ولم قال : يا سرى أما علمت أن خبز الشعير والملح الجريش ينور القلب ! فجعل يتردد في صدري ، فلما قربنا من عبادان وأردنا أن نفترق قلت : رحمك اللّه كلمة أحفظها عنك . قال : أو تفعل ؟ قلت : نعم افعل فقال لي : يا سرى احفظ عنى خمس خصال ، إن أنت حفظتها لا تبالى ما ضيعت بعدهن . قلت : وما هن يرحمك اللّه ؟ قال : يا سرى عانق الفقر ، وتوسد الصبر ، وعاد الشهوات ، وخالف الهوى ، واضرع إلى اللّه في جميع أمورك ، فإذا كنت كذلك وهب اللّه لك خمسا . قلت : وما هن ! قال : الشكر ، والرضا ، والخوف والرجاء ، والصبر على البلاء . ثم تدفعك هذه إلى خمس : إلى الورع الخفي ، وتصفية القلوب ، وترك ما حاك في الصدور وترك ما لا يعنيك ، وترك الفضول لحفظ الجوارح ، ثم تمدك بخمس : بحياة القلوب ، وصفاء الاعتبار ، والفهم