أبي نعيم الأصبهاني

100

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

الرفاهة ، فنعمت بسرائر الهداية وعلمت طرق الولاية ، وغذيت من لطيف الكفاية وأرسلت في روضة البصيرة ، وأحلت القلوب محلا نظرت فيه بلا عيان ، وجالت بلا مشاهدة ، وخوطبت بلا مشافهة . فهذا يا فتى صفة أهل محبة اللّه من أهل المراقبة والحياء والرضا والتوكل . فهم الأبرار من العمال ، وهم الزهاد من العلماء ، وهم الحكماء من النجباء ، وهم المسارعون من الأبرار ، وهم دعاة الليل والنهار ، وهم أصحاب صفاء التذكار وأصحاب الفكر والاعتبار ، وأصحاب المحن والاختبار . هم قوم أسعدهم اللّه بطاعته وحفظهم برعايته ، وتولاهم بسياسته ، فلم تشتد لهم همة ، ولم تسقط لهم إرادة همومهم في الجد والطلب ، وأرواحهم في النجاة والهرب ، يستقلون الكثير من أعمالهم ، ويستكثرون القليل من نعم اللّه عليهم ، إن أنعم عليهم شكروا ، وإن منعوا صبروا ، يكاد يهيج منهم صراخ إلى مواطن الخلوات ، ومعابر العبر والآيات ، فالحسرات في قلوبهم تتردد ، وخوف الفراق في قلوبهم يتوقد ، نعم يا فتى هؤلاء قوم أذاقهم اللّه طعم محبته ونعمهم بدوام العذوبة في مناجاته ، فقطعهم ذلك عن الشهوات ، وجانبوا اللذات ، وداموا في خدمة من له الأرض والسماوات ، فقد اعتقدوا الرضا قبل وقوع البلا ، ومنقطعين عن إشارة النفوس ، منكرين للجهل المأسوس ، طاب عيشهم ودام نعيمهم ، فعيشهم سليم ، وغناهم في قلوبهم مقيم ، كأنهم نظروا بأبصار القلوب إلى حجب الغيوب ، فقطعوا وكان اللّه المنا والمطلوب ، دعاهم إليه فأجابوه بالحث والجد ودوام السير ، فلم تقم لهم أشغال إذ استبقوا دعوة الجبار ، فعندها يا فتى غابت عن قلوبهم أسباب الفتنة بدواهيها ، وظهرت أسباب المعرفة بما فيها ، فصار مطيتهم إليه الرغبة ، وسائقهم الرهبة ، وحاديهم الشوق ، حتى أدخلهم في رق عبوديته ، فليس تلحقهم فترة في نية ، ولا وهن في عزم ، ولا ضعف في حزم ، ولا تأويل في رخصة ، ولا ميل إلى دواعي غرة . قال السائل : أرى هذا مرادا بالمحبة . قال : نعم يا فتى هذه صفة المرادين بالمحبة . فقال : كيف المحن على هؤلاء ؟ فقال : سهلة في علمها ، صبة في اختيارها ، فمحنهم على قدر قوة إيمانهم . قال : فمن أشدهم محنا ؟ قال :