أبي نعيم الأصبهاني

67

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

وتطاوله وكبره وفخره وسوء خلقه وحفا لسانه وطول خوضه فيما لا يعنيه يدل على نفاق المتزهد ، لا على خشوع الزاهد ، فاحذر من هذه الصفة ، وإذا وجدت فيمن يزعم أنه زاهد هذه الخصال التي أصفها لك فارج له أن يكون في بعض طريق الزهاد ، إذا أسرته حسنة وساءته سيئة ، وكره أن يحمد بما لم يفعل من البر ، فأما إذا لم يفعل يكرهه كما يكره لحم الخنزير والميتة والدم ، وإذا عرف هذه الخصال صرف فيها نهاره وساعاته وليلته وساعاتها ، نقص أمله وطال غمه بما أمامه ، فإذا شغل نفسه بغير ما خلق له طال حزنه ، وعلم أنه مفتون وترك من شغله عن الطاعة في تلك الساعة ، فبهذا يجدون حلاوة الزهد ، وبه يحترزون من حزب الشيطان ، وإن ذكر اللّه عندهم أحلى من العسل ، وأبرد من البرد وأشفى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف ، وتكون مجالستهم مع من يصف لهم الزهاد ويعظهم أحب إليهم وأشهى عندهم ممن يعطيهم الدنانير والدراهم عند الحاجة وذلك بقلوبهم لا بألسنتهم ، وأن يخلو أحدهم بالبكاء على ذنوبه وعلى الخوف الشديد أن لا يقبل منه ما يعمل ، ويظهر للناس من التبسم والنشاط كأنه ذو رغبة لا ذو رهبة ، وأن لا يحدث نفسه أنه خير من أحد من أهل قبلته ، وأن يعرف ذنوبه ولا يعرف ذنوب غيره ، فإذا كانت فيه هذه الأبواب العشرة كان في طريق الزهاد ، فأرجو أن يسلكه إن شاء اللّه ، وسبعة أبواب تتلو هذه الأبواب ، التواضع للّه بالقلب لا بالتصنع والخضوع للحق طوعا لا بالاضطرار ، وحسن المعاشرة مع من ابتلى بمعاشرتهم لا لرغبة فيما عندهم ، والهرب من المنكبين على الدنيا كهرب الحمار من البيطار والنفور عنها كنفور الحمار من زئير السبع ، وطلب العافية من كل ما يخاف عقابه ولا يرجو ثوابه ، ومجالسة البكائين على الذنوب ، والرحمة لنفسه ولأنفسهم ، ومخاطبة العالمين بظاهره لا بقلبه ، ولا يتخوف من الكائن بعد الموت والأهوال والشدائد ، فإذا فعل ذلك سلك طريق الزهاد ونال أفضل العبادة . * حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن عيسى بن ماهان ثنا