أبي نعيم الأصبهاني
25
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
الدنيا حيارى ، ترتعون في زهواتها ، وتتمتعون في لذاتها ، وتتنافسون في غمراتها ، فمن جمعها ما تشبعون ، ومن التنافس فيها ما تملون ، كذبتم واللّه أنفسكم وغرتكم ومنتكم الأماني ، وعللتكم بالتوانى ، حتى لا تعطوا اليقين من قلوبكم ، والصدق من نياتكم ، وتتنصلون إليه من مساوى ذنوبكم وتعسوه في بقية أعماركم ، أما سمعتم اللّه تعالى يقول في محكم كتابه ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) لا تنال جنته إلا بطاعته ، ولا تنال ولايته إلا بمحبته ، ولا تنال مرضاته إلا بترك معصيته ، فان اللّه تعالى قد أعد المغفرة للأوابين ، وأعد الرحمة للتوابين ، وأعد الجنة للخائفين ، وأعد الحوار للمطيعين ، وأعد رؤيته للمشتاقين ، قال اللّه تعالى : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) من طريق العمى إلى طريق الهدى . * أخبر جعفر بن محمد وحدثني عنه محمد بن إبراهيم ثنا إبراهيم بن نصر ثنا إبراهيم بن بشار قال سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : كنت ما را في بعض المدن فرأيت نفسين من الزهاد والسياحين في الأرض ، فقال أحدهما للآخر : يا أخي ما ورث أهل المحبة من محبوبهم ؟ فأجابه الآخر . ورثوا النظر بنور اللّه تعالى ، والتعطف على أهل معاصي اللّه ، قال فقلت له : كيف يعطف على قوم قد خالفوا محبوبهم ؟ فنظر إلى ثم قال : مقت أعمالهم وعطف عليهم ليردهم بالمواعظ عن فعالهم ، وأشفق على أبدانهم من النار ، لا يكون المؤمن مؤمنا حقا حتى يرضى للناس ما يرضى لنفسه ، ثم غابوا فلم أرهم . * حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد ثنا محمد بن المثنى قال سمعت بشر ابن الحارث يقول : قال عبد اللّه بن داود قال إبراهيم بن أدهم : خرجت أريد بيت المقدس فلقيت سبعة نفر فسلمت عليهم وقلت : أفيدونى شيئا لعل اللّه ينفعني به ، فقالوا لي : انظر كل قاطع يقطعك عن اللّه من أمر الدنيا والآخرة فاقطعه ، فقلت : زيدونى رحمكم اللّه ، قالوا : انظر ألا ترجو أحدا غير اللّه ، ولا تخاف غيره . فقلت : زيدونى رحمكم اللّه ، قالوا : انظر كل من يحبه فأحبه