أبي نعيم الأصبهاني
106
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
ثم قال له : عليك دين ؟ قال : نعم ! قال : أبا عباس اقض دينه . فلما خرجنا قال : ما أغنى عنى صاحبك شيئا ، انظر لي رجلا أسأله ، قلت : هاهنا الفضيل بن عياض ، قال : امض بنا إليه ، فأتيناه فإذا هو قائم يصلى يتلو آية من القرآن يرددها ، فقال : اقرع الباب ، فقرعت الباب فقال : من هذا ؟ قلت : أجب أمير المؤمنين ، فقال : ما لي ولأمير المؤمنين ؟ فقلت : سبحان اللّه ، أما عليك طاعة ؟ أليس قد روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « ليس للمؤمن بذل نفسه » فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت ، فدخلنا فجعلنا نجول بأيدينا ، فسبقت كف هارون قبلي إليه ، فقال : يا لها من كف ، ما ألينها إن نجت غدا من عذاب اللّه عز وجل . فقلت في نفسي : ليكلمنه الليلة بكلام من تقى قلب تقى ، فقال له : خذ لما جئناك له رحمك اللّه ، فقال : إن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة دعا سالم بن عبد اللّه ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فقال لهم : إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا على ، فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة ، فقال له سالم بن عبد اللّه : إن أردت النجاة من عذاب اللّه فصم الدنيا وليكن إفطارك منها الموت وقال له محمد بن كعب : إن أردت النجاة من عذاب اللّه فليكن كبير المؤمنين عندك أبا ، وأوسطهم عندك أخا ، وأصغرهم عندك ولدا ، فوقر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك وقال له رجاء بن حيوة : إن أردت النجاة غدا من عذاب اللّه فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك ، واكره لهم ما تكره لنفسك ، ثم مت إذا شئت ، وإني أقول لك فانى أخاف عليك أشد الخوف يوما تزل فيه الأقدام ، فهل معك رحمك اللّه مثل هذا ؟ أو من يشير عليك بمثل هذا ! فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشى عليه ، فقلت له : ارفق بأمير المؤمنين ، فقال : يا ابن الربيع تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا ؟ ثم أفاق فقال له : زدني رحمك اللّه ، فقال : يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكى إليه فكتب إليه عمر : يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار مع خلود الأبد ، وإياك أن ينصرف بك من عند اللّه فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء . قال فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى