أبي نعيم الأصبهاني

292

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

الأنبياء ؟ قال : ما أنا من الأنبياء ولكن عبد من عبيد اللّه خاطئ مذنب . قال الراهب : فليعطنى ما أثق به على اطمأنينته ، فعرضوا على سعيد أن يعطى الراهب ما يريد . قال سعيد : إني أعطى العظيم الذي لا شريك له لا أبرح مكاني حتى أصبح إن شاء اللّه ، فرضى الراهب ذلك . فقال لهم : اصعدوا وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح ، فإنه كره الدخول على في الصومعة لمكانكم ، فلما صعدوا وأوتروا القسي إذا هم بلبوة قد أقبلت ، فلما دنت من سعيد تحاكت به وتمسحت به ثم ربضت قريبا منه ، وأقبل الأسد فصنع مثل ذلك ، فلما رأى الراهب ذلك وأصبحوا نزل اليه ، فسأله عن شرائع دينه وسنن رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ففسر له سعيد ذلك كله ، فأسلم الراهب وحسن اسلامه ، وأقبل القوم على سعيد يعتذرون اليه ويقبلون يديه ورجليه ويأخذون التراب الذي وطئه بالليل فصلوا عليه ، فيقولون : يا سعيد قد حلفنا الحجاج بالطلاق والعتاق أن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك اليه ، فمرنا بما شئت . قال : امضوا لأمركم فانى لائذ بخالقى ولا راد لقضائه ، فساروا حتى بلغوا واسطا ، فلما انتهوا إليها . قال لهم سعيد : يا معشر القوم قد تحرمت بكم وبصحبتكم ولست أشك أن أجلى قد حضر ، وان المدة قد انقضت ، فدعونى الليلة آخذ أهبة الموت ، واستعد لمنكر ونكير واذكر عذاب القبر وما يحثى على من التراب ، فإذا أصبحتم فالميعاد بيني وبينكم الموضع الذي تريدون . قال بعضهم : لا نريد أثرا بعد عين . وقال بعضهم : قد بلغتم املكم واستوجبتم جوائزكم من الأمير فلا تعجزوا عنه . فقال : بعضهم يعطيكم ما أعطى الراهب ويلكم ! اما لكم عبرة بالأسد كيف تحاكت به وتمسحت به وحرسته إلى الصباح . فقال بعضهم : هو على أدفعه إليكم إن شاء اللّه ، فنظروا إلى سعيد قد دمعت عيناه وشعث رأسه واغبر لونه ، ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك منذ يوم لقوه وصحبوه . فقالوا : بجماعتهم يا خير أهل الأرض ليتنا لم نعرفك ولم نسرح إليك ؟ الويل لنا ويلا طويلا كيف ابتلينا بك ! اعذرنا عند خالقنا يوم الحشر الأكبر ، فإنه القاضي الأكبر والعدل الذي