أبي نعيم الأصبهاني

248

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

نفسك ، ليس أحد أهلا أن تردفه على ظهرك « 1 » . ذهبت اللذة ، وبقيت التبعة ، ما أشقى من سعد بكسبه غيره ، احذر فقد أتيت ، وتخلص فقد أدهيت ، إنك تعامل من لا يجهل ، والذي يحفظ عليك لا يغفل ، تجهز فقد دنا منك سفر ، وداو دينك فقد دخله سقم شديد ، ولا تحسبن أنى أردت توبيخك أو تعبيرك « 2 » وتعنيفك ، ولكني أردت أن تنعش « 3 » ما فات من رأيك ، وترد عليك ما عزب عنك من حلمك ، وذكرت قوله تعالى وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ . أغفلت ذكر من مضى من أسنانك « 4 » وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب . فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به ؟ أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه ؟ وهل تراه ادخر لك خيرا منعوه ؟ أو علمك شيئا جهلوه ؟ بل جهلت ما ابتليت به من حالك في صدور العامة ، وكلفهم بك أن صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك ، إن أحللت أحلوا ، وإن حرمت حرموا ، وليس ذلك عندك . ولكنهم إكبابهم عليك ، ورغبتهم فيما في يديك ذهاب عملهم ، وغلبة الجهل عليك وعليهم ، وطلب حب الرياسة وطلب الدنيا منك ومنهم ، أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة ؟ وما الناس فيه من البلاء والفتنة ؟ ابتليتهم بالشغل عن مكاسبهم ، وفتنتهم بما رأوا من أثر العلم عليك ، وتاقت أنفسهم إلى أن يدركوا بالعلم ما أدركت ، ويبلغوا منه مثل الذي بلغت ، فوقعوا بك في بحر لا يدرك قعره ، وفي بلاء لا يقدر قدره ، فاللّه لنا ولك ولهم المستعان . واعلم أن الجاه جاهان : جاه يجريه اللّه تعالى على يدي أوليائه لأوليائه ؛ الخامل ذكرهم ، الخافية شخوصهم ، ولقد جاء نعتهم على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا شهدوا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل فتنة سوداء

--> ( 1 ) في ز : بان تبرد له على ظهرك . وفي مغ : تبرك له على ظهرك ( 2 ) في ج ، ومغ : أو تغييرك ( بالمعجمة ) . ( 3 ) في الأصلين أن تجهز . وفي مغ : تنقش . ( 4 ) : ز في اسلافك