أبي نعيم الأصبهاني
236
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
لنفسي ؟ إني أعيذك باللّه أن يكون سؤالك إياي هزلا ، وردى عليك بذلا ، إن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لما ورد ماء مدين قال : ( رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) . فسأل موسى عليه السلام ربه عز وجل ولم يسأل الناس ، ففطنت الجاريتان ولم تفطن الرعاة لما فطنتا اليه ، فأتيا أباهما وهو شعيب عليه السلام فأخبرتاه خبره . قال شعيب : ينبغي أن يكون هذا جائعا ثم قال لإحداهما اذهبي ادعيه ، فلما أتته أعظمته وغطت وجهها ثم قالت ( إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ ) فلما قالت ( لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ) . كره موسى عليه السلام ذلك وأراد أن لا يتبعها ولم يجد بدا من أن يتبعها لأنه كان في أرض مسبعة وخوف ، فخرج معها وكانت امرأة ذات عجز فكانت الرياح تصرف « 1 » ثوبها فتصف لموسى عليه السلام عجزها فيغض مرة ويعرض أخرى . فقال : يا أمة اللّه كونى خلفي فدخل موسى إلى شعيب عليهما السلام والعشاء مهيأ . فقال : كل فقال موسى عليه السلام : لا ! قال شعيب : ألست جائعا ؟ قال : بلى ولكني من أهل بيت لا يبيعون شيئا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبا ، أخشى أن يكون هذا أجر ما سقيت لهما . قال شعيب عليه السلام : لا يا شاب ولكن هذا عادتي وعادة آبائي قرى الضيف وإطعام الطعام . قال : فجلس موسى عليه السلام فأكل . فان كانت هذه المائة دينار عوضا عما حدثتك فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل منه ، وإن كان من مال المسلمين فلى فيها شركاء ونظراء إن وازيتهم وإلا فلا حاجة لي فيها ، إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقى حيث كانت أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم ، فلما نكسوا ونفسوا وسقطوا من عين اللّه تعالى وآمنوا بالجبت والطاغوت ، كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم ويشاركونهم في دنياهم وشركوا معهم في قتلهم « 2 » . قال ابن شهاب « 3 » : يا أبا حازم إياي تعنى ؟ أو بي تعرض ؟ قال : ما إياك اعتمدت ولكن هو ما تسمع . قال سليمان : يا ابن شهاب .
--> ( 1 ) في مغ : تضرب ( 2 ) في مغ : فاشركوا معهم في فتنتهم . وفي ج وشركوا معهم في قبلتهم . ( 3 ) هو الزهري .