أبي نعيم الأصبهاني

197

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين . قال : لعله يقيس أمر الدين برأيه . قال : نعم ! قال فقال جعفر لأبى حنيفة : ما اسمك ؟ قال : نعمان . قال يا نعمان هل قست رأسك بعد ؟ قال : كيف أقيس رأسي ؟ ! قال : ما أراك تحسن شيئا ، هل علمت ما الملوحة في العينين ، والمرارة في الأذنين ، والحرارة في المنخرين والعذوبة في الشفتين . قال : لا ! قال : ما أراك تحسن شيئا ، قال : فهل علمت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان . فقال : ابن أبي ليلى : يا ابن رسول اللّه أخبرنا بهذه الأشياء التي سألته عنها . فقال : أخبرني أبى عن جدى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : « إن اللّه تعالى بمنه وفضله جعل لابن آدم الملوحة في العينين لأنهما شحمتان ولولا ذلك لذابتا ، وإن اللّه تعالى بمنه وفضله ورحمته على ابن آدم جعل المرارة في الأذنين حجابا من الدواب فان دخلت الرأس دابة والتمست إلى الدماغ فإذا ذاقت المررة التمست الخروج ، وإن اللّه تعالى بمنه وفضله ورحمته على ابن آدم جعل الحرارة في المنخرين يستنشق بهما الريح ولولا ذلك لأنتن الدماغ ، وإن اللّه تعالى بمنه وكرمه ورحمته لابن آدم جعل العذوبة في الشفتين يجد بهما استطعام كل شيء ويسمع الناس بها حلاوة منطقه » . قال : فأخبرني عن الكلمة التي أولها كفر وآخرها إيمان . فقال : إذا قال العبد لا إله فقد كفر فإذا قال إلا اللّه فهو إيمان . ثم أقبل على أبي حنيفة فقال : يا نعمان حدثني أبى عن جدى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس . قال اللّه تعالى له اسجد لآدم فقال : ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) فمن قاس الدين برأيه قرنه اللّه تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس » . زاد ابن شبرمة في حديثه . ثم قال جعفر : أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا ؟ قال : قتل النفس . قال : فان اللّه عز وجل قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة . ثم قال : أيهما أعظم الصلاة أم الصوم ؟ قال : الصلاة . قال : فما بال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة . فكيف ويحك يقوم لك قياسك ! اتق اللّه ولا تقس الدين برأيك .