أبي نعيم الأصبهاني
141
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
لأن حجة اللّه بالغة ، والعذر بارز ، وكل مواف اللّه ولما عمل . ثم يكون القضاء من اللّه في عباده على أحد أمرين : فمقضى له رحمته وثوابه فيا لها نعمة وكرامة ومقضى له سخطه وعقوبته فيا لها حسرة وندامة ، ولكن حق على من جاءه البيان من اللّه بأن هذا أمره وهو واقع أن يصغر في عينه ما هو عند اللّه صغير ، وأن يعظم في نفسه ما هو عند اللّه عظيم ، أوليس ما ذكر اللّه من الكراهة لأهلها فيما بعد الموت والهوان ما يطيب نفس امرئ عن عيشة دنياه ، فإنها قد أذنت بزوال . لا يدوم نعيمها ، ولا يؤمن فجائعها ، يبلى جديدها ، ويسقم صحيحها ، ويفتقر غنيها . ميالة بأهلها ، لعابة بهم على كل حال . ففيها عبرة لمن اعتبر ، وبيان فعلى م تنتظر . يا ابن آدم أنت اليوم في دار هي لافظتك وكأن قد بدا لك أمرها فإلى الصرام ما يكون سريعا « 1 » ثم يفضى بأهلها إلى أشد الأمور وأعظمها خطرا ، فاتق اللّه يا ابن آدم وليكن ( سعيك في دنياك ) لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك ، فلا تدخرن عن نفسك مالك ، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك ، ولكن تزود لبعد الشقة ، وأعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك من قضاء اللّه ما هو نازل فيحول دون الذي تريد ، فإذا أنت يا ابن آدم قد ندمت حيث لا تغنى الندامة عنك ، ارفض الدنيا ولتسخ بها نفسك ودع منها الفضل فإنك إذا فعلت ذلك أصبت أربح الأثمان من نعيم لا يزول ، ونجوت من عذاب شديد ليس لأهله راحة ولا فترة « 2 » ، فاكدح لما خلقت له قبل أن تفرق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها ، صاحب الدنيا بجسدك ، وفارقها بقلبك ، ولينفعك ما قد رأيت مما قد سلف بين يديك من العمر ، وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه فإنه عن قليل فناؤه ، ومخوف وباله ، وليزدك إعجاب أهلها بها زهدا فيها
--> ( 1 ) في المختصر : وإلى انصرام ما تكون . ( 2 ) في الأصل : ولا ثمرة .