أبي نعيم الأصبهاني
135
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
تركه ، وليس ما يفنى وإن كان كان كثيرا يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا ، واحتمال المئونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية ، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة التي قد تزينت بخدعها ، وغرت بغرورها ، وقتلت أهلها بأملها ، وتشوفت لخطابها ، فأصبحت كالعروس المجلوة . العيون إليها ناظرة ، والنفوس لها عاشقة ، والقلوب إليها والهة ، ولألبابها دامغة ، وهي لأزواجها كلهم قاتلة . فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر ، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع ، ولا العارف [ باللّه ] والمصدق له حين أخبر عنها مذكر . فأبت القلوب لها إلا حبا ، وأبت النفوس بها إلا ضنا . وما هذا منالها إلا عشقا ، ومن عشق شيئا لم يعقل غيره ، ومات في طلبه أو « 1 » يظفر به ، فهما عاشقان طالبان لها ؛ فعاشق قد ظفر بها واغتر وطغى ونسي بها المبدأ والمعاد . فشغل بها لبه ، وذهل فيها عقله ، حتى زلت عنها قدمه ، وجاءته أسر ما كانت له منيته « 2 » فعظمت ندامته ، وكسرت حسرته ، واشتدت كربته مع ما عالج من سكرته . واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه « 3 » ، وحسرة الموت بغصته ، غير موصوف ما نزل به . وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته فذهب بكربه وغمه لم يدرك منها ما طلب ، ولم يرح نفسه من التعب والنصب . خرجا جميعا بغير زاد ، وقدما على غير مهاد . فاحذرها الحذر كله فإنها مثل الحية لئن مسها وسمها يقتل ، فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها ، وضع عنك همومها لما عاينت من فجائعها ، وأيقنت به من فراقها ، وشدد ما اشتد منها لرخاء ما يصيبك « 4 » وكن [ أسر ] ما تكون فيها احذر ما تكون لها ، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له أشخصته عنها بمكروه ، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلا عليه انقلبت به ،
--> ( 1 ) في ز : ولم يظفر به . وفيها : ونسي بها المعارف والمبدأ . ( 2 ) في ز : وجاءته أشر ما كانت له حنية أو حنبة والتصحيح من التحصيل . ( 3 ) في ز : بأمله . ( 4 ) وفيها : لرجاء وهو تصحيف .