أبي نعيم الأصبهاني
248
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
لا يأتيه خبره فقال عمر لكاتبه : أكتب إلى عمير - فو اللّه ما أراه إلا قد خاننا - إذا جاءك كتابي هذا فأقبل ، وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا . فأخذ عمير جرابه فجعل فيه زاده وقصعته ، وعلق أداوته ، وأخذ عنزته ثم أقبل يمشى من حمص حتى دخل المدينة . قال : فقدم وقد شحب لونه ، واغبر وجهه ، وطالت شعرته . فدخل على عمر وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته ، فقال عمر ما شأنك ؟ فقال عمير ما ترى من شأني ألست تراني صحيح البدن ، طاهر الدم ، معي الدنيا أجرها بقرنها ، قال وما معك ؟ - فظن عمر رضى اللّه عنه أنه قد جاء بمال - فقال : معي جرابى أجعل فيه زادي ، وقصعتى آكل فيها . وأغسل فيها رأسي وثيابي ، وإداوتى أحمل فيها وضوئى وشرابى ، وعنزتى أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوا إن عرض . فو اللّه ما الدنيا إلا تبع لمتاعى . قال عمر : فجئت تمشى ؟ قال نعم ! قال أما كان لك أحد يتبرع لك بدابة تركبها ؟ قال : ما فعلوا وما سألتهم ذلك . فقال عمر بئس المسلمون خرجت من عندهم ، فقال له عمير : اتق اللّه يا عمر ، قد نهاك اللّه عن الغيبة وقد رأيتهم يصلون صلاة الغداة ، قال عمر فأين بعثتك ؟ وأي شيء صنعت ، قال وما سؤالك يا أمير المؤمنين ، فقال عمر سبحان اللّه ، فقال عمير أما لولا أنى أخشى أن أغمك ما أخبرتك ، بعثتني حتى أتيت البلد ، فجمعت صلحاء أهلها فوليتهم جباية فيئهم ، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه ، ولو نالك منه شيء لأتيتك به ، قال فما جئتنا بشيء ؟ قال لا ، قال جددوا لعمير عهدا ، قال إن ذلك لشئ ، لا عملت لك ولا لأحد بعدك ! واللّه : ما سلمت بل لم أسلم ، لقد قلت لنصرانى أي أخزاك اللّه ، فهذا ما عرضتنى له يا عمر ، وإن أشقى أيامى يوم خلفت « 1 » معك يا عمر ، فاستأذنه فاذن له فرجع إلى منزله ، قال وبينه وبين المدينة أميال ، فقال عمر حين انصرف عمير : ما أراه إلا قد خاننا فبعث رجلا يقال له الحارث وأعطاه مائة دينار ، فقال له انطلق إلى عمير حتى تنزل به كأنك ضيف ، فإن رأيت أثر شيء فأقبل ، وإن رأيت حالة شديدة
--> ( 1 ) في ز : يوم خلقت معك .