أبي نعيم الأصبهاني

194

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

أهل المشرق على ما أنا عليه ، فعليك براهب وراء الجزيرة فاقرأه منى السلام . قال فجئته فأقرأته منه السلام وأخبرته أنه قد توفى ، فمكثت أيضا عنده ثلاث سنين ثم توفى . فقلت : إلى من تأمرني أن أذهب ؟ قال ما أعلم أحدا من أهل الأرض على ما أنا عليه غير راهب بعمورية شيخ كبير ، وما أرى تلحقه أم لا فذهبت إليه فكنت عنده فإذا رجل موسع عليه ، فلما حضرته الوفاة قلت له أين تأمرني أذهب ؟ قال : ما أعلم أحدا من أهل الأرض على ما أنا عليه ، ولكن إن أدركت زمانا تسمع برجل يخرج من بيت إبراهيم عليه السلام - وما أراك تدركه - وقد كنت أرجو أن أدركه ، فإن استطعت أن تكون معه فأفعل فإنه الدين ، وأمارة ذلك أن قومه يقولون ساحر مجنون كاهن ، وأنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، وأن عند غضروف كتفه خاتم النبوة . قال فبينا أنا كذلك حتى أتت عير من نحو المدينة . فقلت : من أنتم ؟ قالوا نحن من أهل المدينة ونحن قوم تجار نعيش بتجارتنا ، ولكنه قد خرج رجل من أهل بيت إبراهيم فقدم علينا وقومه يقاتلونه ، وقد خشينا أن يحول بيننا وبين تجارتنا ، ولكنه قد ملك المدينة . قال فقلت ما يقولون فيه ؟ قال يقولون ساحر مجنون كاهن ، فقلت هذه الأمارة دلوني على صاحبكم ، فجئته فقلت تحملني إلى المدينة ، فقال ما تعطيني ؟ قلت ما أجد شيئا أعطيك غير أنى لك عبد ، فحملني فلما قدمت جعلني في نخله فكنت أسقى كما يسقى البعير حتى دبر ظهري وصدري من ذلك ، ولا أجد أحدا يفقه كلامي حتى جاءت عجوز فارسية تسقى ، فكلمتها ففهمت كلامي فقلت لها أين هذا الرجل الذي خرج دلينى عليه ؟ قالت سيمر عليك بكرة إذا صلى الصبح من أول النهار ، فخرجت فجمعت تمرا فلما أصبحت جئت ثم قربت إليه التمر . فقال : « ما هذا أصدقة أم هدية ؟ » فأشرت أنه صدقة . فقال : « انطلق إلى هؤلاء » وأصحابه عنده فأكلوا ولم يأكل ، فقلت هذه الأمارة ، فلما كان من الغد جئت بتمر فقال : « ما هذا ؟ » فقلت هذه هدية ، فأكل ودعا أصحابه فأكلوا ، ثم رآني أتعرض لأنظر إلى الخاتم فعرف فألقى رداءه ، فأخذت أقبّله والتزمه . فقال :