أبي نعيم الأصبهاني

14

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

منع القرآن بوعده ووعيده * مقل العيون بليلها أن تهجعا « 1 » فهموا عن الملك الكريم كلامه * فهما تذل له الرقاب وتخضعا وقال له بعض من كان في المجلس حاضرا : يا أبا الفيض من هؤلاء القوم يرحمك اللّه ؟ فقال ويحك هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا ، والتراب لجنوبهم مهادا . هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم ، فعزلهم عن الأزواج وحركهم بالادلاج ، فوضعوه على أفئدتهم فانفجرت ، وضموه إلى صدورهم فانشرحت ، وتصدعت هممهم به فكدحت ، فجعلوه لظلمتهم سراجا ، ولنومهم مهادا . ولسبيلهم منهاجا ، ولحجتهم افلاجا ، يفرح الناس ويحزنون ، وينام الناس ويسهرون ، ويفطر الناس ويصومون ، ويأمن الناس ويخافون . فهم خائفون حذرون ، وجلون مشفقون مشمرون ، يبادرون من الفوت ، ويستعدون للموت . لم يتصغر جسيم ذلك عندهم لعظم ما يخافون من العذاب وخطر ما يوعدون من الثواب ، درجوا على شرائع القرآن ، وتخلصوا بخالص القربان ، واستناروا بنور الرحمن ، فما لبثوا أن أنجز لهم القرآن موعوده ، وأوفى لهم عهوده ، وأحلهم سعوده ، وأجارهم وعيده ، فنالوا به الرغائب ، وعانقوا به الكواعب ، وأمنوا به العواطب وحذروا به العواقب ، لأنهم فارقوا بهجة الدنيا بعين قالية ، ونظروا إلى ثواب الآخرة بعين راضية ، واشتروا الباقية بالفانية ، فنعم ما اتجروا ربحوا الدارين ، وجمعوا الخيرين ، واستكملوا الفضلين ، بلغوا أفضل المنازل ، بصبر أيام قلائل ، قطعوا الأيام باليسير ، حذار يوم قمطرير ، وسارعوا في المهلة ، وبادروا خوف حوادث الساعات ، ولم يركبوا أيامهم باللهو واللذات ، بل خاضوا الغمرات للباقيات الصالحات ، أو هن واللّه قوتهم التعب ، وغير ألوانهم النصب ، وذكروا نارا ذات لهب ، مسارعين إلى الخيرات منقطعين عن اللهوات ، بريئون من الريب والخنا ، فهم خرس فصحاء ، وعمى بصراء . فعنهم تقصر الصفات ؛ وبهم تدفع النقمات ، وعليهم تنزل البركات ، فهم أحلى الناس منطقا ومذاقا ، وأوفى

--> ( 1 ) في ح - تهجع ، وتخضع .