ابن الفرضي

20

تاريخ علماء الأندلس

يكلّف أحد نفسه اعتماد النّسخة الخطية مع توفّرها ليصدر عن خبرة وعيان . والمستشرقون معروفون بدقتهم وبذلهم الوسع في قراءة النصوص ، ولكنهم من غير شك أقل قدرة على تملّي اللغة العربية وقراءتها على الوجه مع بذلهم الجهود المحمودة وتمتعهم بالصّبر والأناة في قراءة النّصوص ومحاولة إدراك معانيها ، فكانت تقع منهم الهفوات الكثيرة في القراءة ، وهم معذورون في ذلك ، فقد نشروا هذه الكتب في القرن التاسع عشر يوم كان العرب في سبات عميق ، ولم يكن الكثير من المصادر التي تعين على فهم النصوص وضبطها قد نشر ، فكان عملهم متميزا في حينه بكل المقاييس العلمية . والعتب على المحققين العرب الذين تهيأت لهم الأسباب فلم يفعلوا شيئا ، وأعادوا طبع الكتب التي نشرها المستشرقون من غير رجوع إلى المخطوطات ، ومن ذلك عشرات الكتب المهمة من ذوات المجلدات العديدة ، مثل تاريخ الطّبري ، وتاريخ المسعودي ، والكامل لابن الأثير ، وتجارب الأمم لمسكويه ، وجميع كتب المكتبة الجغرافية ، ثم جميع كتب المكتبة الأندلسية ، وغيرها مما يطول ذكره وتعداده . لقد حاول عزّت العطّار الحسيني أن يصحح بعض ما وقع فيه كوديرا من أخطاء فلم ينجح ، وضبط النّصّ بالشكل من غير معرفة ولا دربة ، فصار نصه ضحكة من كثرة الأخطاء والتحريف والتصحيف . أما إبراهيم الأبياري فأمره عجيب ، وله جراءة غريبة على الباطل وامتهان العلم ، فشوّه بجهله طبعة كوديرا بكثرة التّصحيف والتّحريف والسّقط ، وعلّق في بعض المواضع تعليقات سمجة دلّلت على مدى جهله بهذا الفن ، ولم يكتف بنشر كتاب واحد أو كتابين ، بل أصدر المكتبة الأندلسية التي تلاقفتها بعض دور النّشر المصرية واللّبنانية لتسهم في تشويه التّراث وامتهانه ، وتعمل على نشر « الأميّة » بكل معانيها ودلالاتها . ومن ثم أراني بحاجة ماسة إلى ذكر نماذج من التحريفات والتّصحيفات والتعليقات لئلا ينخدع به بعض الطلبة المستجدين فيستعملون أمثال هذه الطّبعات ، وأذكرها من وسط طبعته ، إذ قد يكون نشطا في أول الكتاب تعبا في