زبير بن بكار

8

جمهرة نسب قريش وأخبارها

خير أكبر من كتاب فريد في بابه ، مباين لما أعرف من كتب الأنساب في منهاجه ، قد حوى ذخيرة من ذخائر الأدب والشّعر والأخبار ، ممّا عزّ وجوده في كتب أسلافنا التي طبعت إلى أيّامنا هذه ! ثم لم يقتصر فضل حمد على الهدية والحثّ ، بل تجاوز ذلك إلى بذل كلّ ما تطيقه أريحيّة عالم يذكر حقّ العلم وينسى حقّ نفسه . فكلّ فضل في نشر هذا الأثر الجليل ، فهو له خالصا ، فجزاه اللّه جزاء المحسنين من عباده . كانت « جمهرة أنساب العرب » للإمام أبي محمد بن حزم ، [ 384 - 456 - ه ] ، أكبر كتاب في النّسب طبع إلى عهدنا ، ورأينا ابن حزم يسوق أنساب قبائل العرب ، وتفرّع بعضها من بعض ، مجرّدة من أخبار الرّجال والنّساء . الذين يذكرهم في تفريع النّسب ، فاقتصرت الفائدة منه على معرفة تسلسل النسب وتفرّعه ، مع نبذ يسير لامح من ذكر مكانتهم أو منازلهم في القبيلة أو الدولة أو العلم . حتى طبع كتاب « نسب قريش » ، لأبي عبد اللّه المصعب بن عبد اللّه ، [ 156 - 236 - ه ] ، وهو عمّ الزّبير بن بكّار وشيخه ، فرأيناه يسوق النسب ، تتخلّله أخبار من ذكر من النّساء والرّجال في تفريع النسب ، ولكن على وجه الاختصار والإيجاز . فلما وقفت على كتاب « جمهرة نسب قريش وأخبارها » ، رأيت الزّبير يسوق النّسب على نحو ما فعل عمّه المصعب في كتابه ، ثم يتخلّل النسب بأخبار كثيرة للرجال والنساء ، أربت على اخبار عمّه بثروة ظاهرة ، بيد أنّي أدركت من سياقة أخباره ، أنّه لم يرد التكثّر في الأخبار ، بل جنح إلى تخيّر أخبار دالّة على عقول أصحابها ونفوسهم وصفاتهم وشمائلهم ، ومنازلهم في الناس بفضل هذه السّمات الظاهرة في أخلاقهم . فزيادة كتاب الزّبير على كتاب عمّه المصعب هذه الزيادة البيّنة ، لم تكن في تفريع النسب وحده ، ولا في الأخبار وحدها ، بل في دلالة هذه الأخبار على أصحابها دلالة مبينة مميّزة . قد يذكر الرجل المشهور بمشاهده في القتال مثلا ، فلو شاء أن يتكثّر بالأخبار ، لألمّ بذكر هذه المشاهد ، ولتقصّى أخبارها ، ولكنه لا يفعل ، بل يتجاوز ذلك إلى