محمد بن سلام الجمحي
318
طبقات فحول الشعراء
وكنت كفاقئ عينيه عمدا * فأصبح ما يضئ به النّهار " 1 " ولو ضنّت يداى بها ونفسي * لكان علىّ للقدر الخيار " 2 " وما فارقتها شبعا ، ولكن * رأيت الدّهر يأخذ ما يعار " 3 " * * * 417 - " 4 " وكان خالد بن عبد اللّه القسرىّ حبس الكميت بن زيد ،
--> ( 1 ) رواية " م " وأكثر الكتب " يضئ له نهار " . ورواية المخطوطة جيدة في العربية وفي البيان ، فجعل " أضاء " بمعنى دخل به في الضوء ، كما يقال أصبح بهم ، دخل بهم في الصبح . قول : فقأ عينيه ، فبطل معه عمل النهار الذي يدخل الناس جميعا في الضوء ، حتى يبصروا هداهم ويستمتعوا بدنياهم . وهذه الرواية أبلغ في التحسر والندامة ، وأعرق في البيان من رواية من روى " يضئ له " ، فهو معنى مغسول . ( 2 ) للبيت رواية أخرى ، انظر توجيهها في الصاحبى : 213 . يقول المرزوقي في الأزمنة 1 : 105 " المعنى : لو ملكت أمرى لكان على أن أختار للقدر ، ولم يكن على القدر أن يختار لي " ، وذلك أنه جعل " على " بمعنى اللزوم والوجوب . وهو كلام مختل في سياق الندامة ، بل في الشعر قلب ، وأصله " لكان لي ، على القدر ، الخيار " ، و " على " للمصاحبة بمعنى " مع " . والخيار ، الاسم من الاختيار ، وهو اصطفاء خير الأمور . يقول : لو صدقت في ضني بها وحرصي عليها وحبى لها ، لاخترت خير الأمرين ، وهو إمساكها ، مع ما لا يعلم أحد مما خبأ اللّه من قدره الغالب على كل شئ . هذا معناه ، أما تأويل المعتزلة فليس بشئ ، وليس لأحد أن يختار على اللّه ولا على قدر اللّه ، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . ( 3 ) رواية الأخفش في تعليقته على الكامل للمبرد 1 : 72 ، " رأيت الزهد " ، وهي عندي أجود الروايتين ، فإنه أراد أن يقول إنه لم يطلقها لأنه شبع منها وفرغت حاجته إليها ، بل لعلة أخرى تعرض للناس ، وهي أن الشئ الممكن السهل الحاضر ، يقل حرص النفوس عليه ، فيغلبها الزهد فيه ، وقلة الاحتفال به . فقوله " يعار " في هذا المعنى ، تشم طرفا من معاني الإمكان والسهولة وقرب المأخذ ، ومادة اللغة تدل عليه ، فقد قالوا : تعاوروا الشئ : تداولوه بينهم ، ولا يتداول إلا الشئ الذي يقل حرص الناس عليه . وقالوا أيضا : أعور لك الشئ : إذا أمكنك من نفسه . ولو قيل : أراد ، يأخذ ما يعيره ، لكان وجها . ( 4 ) هذه الأخبار من رقم : 417 ، إلى آخر رقم : 419 ، أخلت بها " م " ، والخبران : 417 ، 418 ، لا أدرى معنى لموضعهما هنا ، وروى الجاحظ رقم : 417 في الحيوان 2 : 364 ، وانظر الأغانى : 15 : 115 . أما الخبر رقم : 419 ، فهو في " م " بعد الخبر رقم : 423 .